الوثائق تؤكد.. أول بلدية للقطيف تأسست قبل 142 سنة في العهد العثماني

القطيف: صُبرة
وثيقتان أصليتان تعودان إلى العهد العثماني، إحداهما ظرف رسالة موجهة إلى رئيس بلدية القطيف، والأخرى من سجلات العمل البلدي، تقدمان شاهداً مادياً على وجود جهاز بلدي عامل في القطيف خلال تلك المرحلة.
والوثيقتان من مقتنيات الباحث نزار عبدالجبار، وتكتسبان أهمية خاصة في توثيق جانب من التاريخ الإداري للقطيف؛ فإلى جانب ما حفظته المصادر والدراسات من معلومات عن نشأة البلدية وتشكيل مجلسها، بقيت أوراق أصلية من تلك المرحلة شاهدة على وجود المؤسسة ومراسلاتها وأعمالها.
ويعيد الدكتور عبدالله بن ناصر السبيعي تاريخ إنشاء بلدية القطيف إلى 12 صفر 1302هـ ـ 1884م، أي قبل نحو 142 عاماً، حين صدر أمر مجلس شورى الدولة العثمانية بالموافقة على إنشائها، لتكون البلدية الثانية في لواء الأحساء، والأولى في تاريخ القطيف.
ويوثق السبيعي تفاصيل هذه المرحلة في كتابه «الحكم والإدارة في الأحساء والقطيف وقطر أثناء الحكم العثماني الثاني 1288-1331هـ / 1871-1913م»، الصادر في طبعته الأولى عام 1420هـ ـ 1999م.

قرار التأسيس
بحسب السبيعي، صدر أمر مجلس شورى الدولة العثمانية بالموافقة على إنشاء بلدية القطيف في 12 صفر 1302هـ ـ 1884م، بناءً على طلب والي البصرة والمضبطة المرفوعة إلى المجلس من وزارة الداخلية.
لكن تنفيذ الأمر تأخر، وعزا المصدر ذلك إلى ضعف قائممقام القطيف آنذاك خليل آغا وإهماله.
ووصل الأمر إلى متصرف اللواء محمد نزيه بن أحمد عطا، الذي رفع في 26 ربيع الأول 1303هـ رسالة إلى وزارة الداخلية يشكو فيها ذلك الإهمال ويطلب عزل القائممقام، وجعل تأخر إنشاء البلدية واحداً من الأسباب الرئيسية التي استند إليها في طلبه.
وأشار المتصرف إلى أن التأخير خلّف آثاراً بيئية سيئة تسببت في ظهور بعض العلل والأمراض.

مستنقعات وملاريا
وتكشف الدراسة حجم المهمة التي كانت تنتظر بلدية القطيف في سنواتها الأولى.
فخدمات النظافة العامة ومكافحة الحشرات وردم المستنقعات كانت من الاحتياجات الملحة، خصوصاً مع كون المستنقعات مرتعاً للملاريا والتراخوما.
ويذكر السبيعي أن القطيف عانت كثيراً من غياب الخدمات البيئية والوقائية، ما جعلها موطناً لأمراض سارية ومزمنة وطارئة كانت تعاود السكان بين وقت وآخر.
وبذلك ارتبط قيام البلدية منذ بداياته بقضية تمس حياة السكان مباشرة، هي تحسين البيئة وحماية الصحة العامة.
العلاج في الهفوف
وكان نظام بلدية القطيف وتشكيلها ومهماتها مماثلاً إلى حد كبير لبلدية مركز لواء الأحساء، باستثناء افتقاد القطيف إلى طبيب بلدي وصيدلية.
وأدى ذلك إلى توجه بعض عائلات الموظفين العثمانيين العاملين في القطيف إلى الهفوف طلباً للعلاج، سواء في المستشفى العسكري أو لدى الطبيب البلدي.

علي بن منصور
ويبرز في تاريخ البلدية المبكر اسم علي بن منصور إخوان، الذي تولى رئاسة بلدية القطيف منذ إنشائها واستمر على رأسها حتى عام 1330هـ.
ويذكر السبيعي أن النظام أتاح لرئيس البلدية تولي مهمات أخرى، فدخل علي بن منصور شريكاً لملتزم احتساب رسوم اللواء علي بن فارس لعدة سنوات، وشغله ذلك كثيراً عن شؤون البلدية.
وكان يقضي فترات طويلة في الهفوف، في وقت كانت القطيف بحاجة ماسة إلى تطوير خدمات النظافة ومكافحة الحشرات وردم المستنقعات.
مجلس بلدي
وتكشف الدراسة أن القطيف عرفت أيضاً مجلساً بلدياً منظماً، وتوثق أسماء أعضائه في عدد من دوراته بين عامي 1308 و1319هـ.
ففي عام 1308هـ كان علي بن منصور إخوان رئيساً، وضم المجلس علي المرزوق، وعبدالرزاق أفندي، وعلي أفندي، وإبراهيم أفندي أعضاء، فيما تولى أحمد وفيق أفندي مهمة الكاتب.
وتغيرت التشكيلات في السنوات التالية، وظهرت أسماء أخرى بينها محمد أفندي وشلال أفندي وأحمد حمدي أفندي، كما سجلت بعض الدورات وجود مقاعد «شاغرة».
وتكشف هذه التفاصيل أن العمل البلدي في القطيف آنذاك تجاوز وجود شخص يحمل صفة رئيس البلدية؛ إذ كان هناك مجلس وأعضاء وجهاز كتابي ودورات تتغير تشكيلاتها.

وثيقتان أصليتان
وتمنح مقتنيات الباحث نزار عبدالجبار هذه المعلومات التاريخية بعداً مادياً مباشراً.
فالوثيقة الأولى عبارة عن ظرف مكاتبة أصلية موجهة إلى رئيس بلدية القطيف، فيما تمثل الثانية نموذجاً من سجلات البلدية، بجداولها وبياناتها المدونة بخط اليد.
وتلتقي الوثيقتان مع ما أورده السبيعي في دراسته؛ فالكتاب يوثق تاريخ التأسيس وتشكيل البلدية وأسماء رجالها، فيما تقدم الوثائق الأصلية أثراً باقياً من المؤسسة نفسها.

وبعد نحو 142 عاماً من قرار إنشاء البلدية، بقيت هذه الأوراق شاهدة على مرحلة مبكرة من الإدارة المحلية في القطيف؛ مرحلة كان فيها للمدينة رئيس بلدية ومجلس بلدي وأعضاء وكتّاب ومراسلات وسجلات، وكانت النظافة والمستنقعات والحشرات وصحة السكان في صميم التحديات التي واجهتها البلدية منذ بداياتها.



