كَبُرَ الهوى عامًا…!

جاسم الصحيح
لولا هواكِ يُذيبُني ويُقَطِّرُ
لحَيِيتُ داخلَ كائنٍٍ يَتَحَجَّرُ
قد كانَ قلبيَ (بابَ خيبرَ) في الهوى
وقَلَعْتِهِ، فكأنَّ حُبَّكِ (حيدرُ)
وعلقتُ بامرأةٍ تفيضُ دروبُها
خَطَرًا، ولكنَّ التراجعَ أخطرُ
لو شَفّ لونُ حياتِها في لوحةٍ
فَنِّيَّةٍ.. ما شَفَّ إلا الأحمرُ
أنثى قد اعتكفتْ بمعبدِ ذاتِها
وتطهَّرَتْ من كلِّ ما لا يَطهُرُ
أنثى قد ابتدأَ (البنفسجُ) خَلْقَها
حتَّى غفا، فأَتَمَّها (اللَّافَنْدَرُ)
لِـكيَانِها العِطرِيِّ مُوسيقَى، فما
يدري النسيمُ : يُصِيخُ أمْ يتعطَّرُ!!
خُتِمَ الرحيقُ بها، فما اسْتَطْعَمتُها
إلا تَسَرَّبَ في دِمايَ، السُّكَّرُ
هِيَ هَشَّةٌ كالاعتذارِ.. نَقِيَّةٌ
كالصفحِ.. هادئةٌ كمَنْ يتفكَّرُ
وقَوِيَّةٌ في الحبِّ، باهظةُ المشاعرِ-
في الهوى، وكأنَّـها لا تَشعُرُ!
وجميلةٌ كالانتصارِ لموطنٍ
نحيا لهُ، ونعيشُ فيهِ، ونُقبَرُ
وبسيطةٌ تمحو الهمومَ بقَهْوَةٍ
سوداءَ حين همومُها تتجبَّـرُ
مَرَّ الدلالُ بها عليَّ، ولِلصَّدَى
من كعبها العالي بصدريَ خنجرُ
قالتْ لِـيَ الأرصادُ: ثَمَّةَ عاصفٌ
آتٍ.. يهبُّ على القلوبِ ويَهدُرُ
فوَقَفْتُ وقفةَ خارجٍ من قبرِهِ
يومَ الحساب، وقد أُقيمَ المَحشَرُ
لُغتي أمامَ عيونِها تتخدَّرُ
وفمي يغيبُ، ومنطقي يتبعثرُ
أنثى عليَّ كثيرةٌ، لكنَّما
هِيَ في الخيالِ على القصيدةِ أكثرُ
وأنا فتًى بالأمسِ أَجَّلَ عُمْرَهُ
وأفاقَ هذا اليومَ وَهْوَ مُعَمِّرُ
والحبُّ من بعد الشبابِ ضمادةٌ
وُضِعَتْ على الكَسرِ الذي لا يُجبَرُ
***
كَبِرَ الهوى عامًا; ولم نشعرْ بهِ..
أحلى السنين بلا شُعورٍ تَعبُرُ!!
تبدو الحياةُ طويلةً لنعيشَها
وتَمُرُّ في الحُلمِ الجميلِ فتَقصُرُ
قَدَرٌ علينا الحبُّ، إلا أنَّنا
نختارُ فيه مصيرَنا ونُقَدِّرُ
أَبَدًا نصونُ من الحكايةِ ماءَها
خوفًا على ماءِ الحكايةِ يُهدَرُ
ونسوقُ ركبَ الأمنيات إلى (مِنًى)
من قُربناِ حيث التقاربُ (مَشعَرُ)
تنمو بأغصانِ الوفاءِ صدورُنا
فإذا العلاقةُ بيننا تتشجَّرُ
والحبُّ لم يبرحْ يقولُ لنا : اضحكوا..
وكأنَّهُ للذكرياتِ مُصَوِّرُ !
وأنا وإيَّاها نعيشُ طفولةَ الـ-
أرواحِ حيث الروحُ لا تتغيَّرُ
نتبادلُ الكُتُبَ البديعةَ، علَّنا
نحيا حكايا المُبدعينَ فنُزهِرُ
أحببتُ فيها كبرياءَ طفولةٍ
تنتابُها ومزاجُها مُتَعَكِّرُ
هِيَ لا تُسَمِّيني بغيرِ صغيرِها
مِنْ فَرطِ ما هِيَ بالأمومةِ تَزخَرُ
تحلو إقامتُنا بجَنَّةِ وَهْمِنَا
فنبيتُ في قصرِ الخيالِ ونسهرُ
ما ليسَ يدري الليلُ أنَّ وُجودَهُ
-لولا السهادُ العَذبُ – ليسَ يُبَرَّرُ
***
يا غيمةً في القلبِ تُمطِرُ; لم أجدْ
من قَبلِكِ امرأةً تغيمُ وتُمطِرُ
جَرَّدتِني من كلِّ ما هُوَ أصفرُ
وكَسَوتِني مِمَّا بهِ أخضوضرُ
ما كنتُ (نُوحًا) في هواكِ وإنْ تَكُنْ
روحي (سفينتَك) التي بكِ تُبحِرُ
لو كانَ حُبُّكِ في لهاتيَ نغمةً
غَنَّيتُ فيكِ كما يغنِّي (القيصرُ)
كَبِرَ الهوى عامًا، فلا تتذمَّري
حينَ الجراح بِنا كذلكَ تَكبَرُ
بعضُ الشهود على حقيقةِ حُبِّنَا
جُرحٌ نُصابُ بهِ، وخَدشٌ يظهرُ
راهنتُ فيكِ على الشرارةِ داخلي
ورعيتُها، فنما الحريقُ المُسعَرُ
وبِكِ امتلأتُ بعُمْقِ مَنْ لكِ ينتمي..
فالامتلاءُ هُوَ انتماءٌ مُضْمَرُ!!
مَنْ كانَ آمَنَ بالشَّرارِ من الهوى
أتُراهُ يومًا بالحرائقِ يكفرُ؟!
لي كلَّ يومٍ ألتقيكِ ولادةٌ..
كمْ في ولاداتِ الهوى أتكرَّرُ!
ويضيقُ بي عقلي الأسيرُ، فيحتفي
بِـيَ في الهيامِ جُنونيَ المُتَحَرِّرُ
(مجنونُ عبلةَ) لا يموتُ، وإن يكنْ
قد ماتَ منذُ الجاهليةِ (عنترُ)
يجري بجانبِنا الزمانُ، ولا نرى
مجراهُ إلا حينما نتأخَّرُ
فنراهُ في الصُّوَرِ العتيقةِ صُورةً
تُجلَى، وفي الأسماء اِسمًا يُذكَرُ
وشعورُنا في الحبِّ ذو أبديَّةٍ
يأبى الفناء، وإنَّما يتحوَّرُ
فنعيشُهُ في الذكرياتِ، كأنَّنا
نرضَى نُغادِرُ، إنَّما لا نَغدُرُ
والحبُّ في الزمنِ الخرابِ وسيلةٌ
لنصونَ من أرواحِنا ما نَقدِرُ
محرم 1448هـ/يوليو 2026م



