هل تبقى هويتك كما هي طوال حياتك؟

ترجمة: عدنان أحمد الحاجي
مدخل من المترجم
ينتمي هذا المقال إلى الكتابات الفكرية التي تستخدم سيناريوهات مستقبلية وتجارب افتراضية لاستكشاف أسئلة فلسفية عميقة حول الإنسان وهويته. وبغض النظر عن مدى إمكانية تحقق بعض التصورات العلمية والتكنولوجية التي يطرحها هذا النوع من الكتابات مستقبلًا، فإنها تفتح أمامنا أبوابًا واسعة للتفكير في طبيعة الإنسان وما العوامل المكونة لهويته.
ويرتبط هذا النوع من الاستكشاف الفكري بالفضول العلمي، الذي يدفع الإنسان إلى تجاوز ما يعرفه فعلََا، والبحث فيما يجهل. وقد أشار إلى هذه الفكرة الدكتور أحمد زويل، الحائز على جائزة نوبل في الكيمياء، في محاضرته بمناسبة حصوله على جائزة بريستلي المرموقة عام 2011، مستشهدًا بعبارة من رواية لويس كارول مغامرات أليس في بلاد العجائب: «الفضول مفتاح الاستكشافات الذي تجاوز البحث في المجهولات المعروفة ليتعمق في البحث في المجهولات المجهولة.»

المقال المترجم
ما العوامل التي تشكّل هويتك؟
عندما تقول كلمة “أنا”، ربما تشعر بأنك تعرف تمامًا ما تعنيه. إنها واحدة من أكثر الأشياء وضوحًا بالنسبة لك؛ فأنت تعرف منذ طفولتك أنك “أنت”. وربما تكون قد طرحت على نفسك سؤالًا مثل: “من أنا”. لكن الجانب الأصعب من هذا السؤال ليس كلمة “من”، بل كلمة “أنا” نفسها.
فما المقصود تحديدًا بـ “أنا”؟ وما الذي يجعل الشخص هو الشخص نفسه؟ يبدو السؤال بسيطًا في البداية، لكن عندما تتوقف قليلًا للتفكير فيه، ستجد أن الإجابة ليست بهذه السهولة. لذلك دعونا نحاول الوصول إلى تفسير.
نظرية الجسم
لنبدأ بما يراه معظم الناس أمرًا بديهيًا: أن الشخص هو جسمه المادي. ووفقًا لـنظرية الجسم، فإن جسمك هو ما يشكل هويتك. يبدو هذا منطقيًا إلى حد كبير. فمهما حدث لك في حياتك، إذا توقف جسمك عن العمل، فستموت.
ولنفترض أن رجلًا يُدعى مارك مرّ بأزمة غيّرت شخصيته وسلوكه بصورة كبيرة، فقالت عائلته: “لقد تغيّر مارك تمامًا، ولم يعد الشخص نفسه”. بالطبع، هم لا يقصدون حرفيًا أنه لم يعد مارك، بل يقصدون أن شخصيته وسلوكه قد تغيّرا، مع بقائه الشخص نفسه.
وبحسب نظرية الجسم، يظل مارك هو مارك؛ لأن هويته مرتبطة بجسمه المادي، بغض النظر عما يطرأ على شخصيته أو سلوكه.
قد يشعر الإنسان بأنه أكثر من مجرد لحم وعظم، لكن إذا نظرنا إلى الأمر من منظور هذه النظرية، فإن النملة هي جسمها، والسنجاب هو جسمه، والإنسان هو جسمه. لكن هل تصمد هذه الفكرة أمام الاختبار؟
ماذا يحدث عندما تقلم أظافرك؟ لقد غيّرت جزءً من جسمك بإزالة بعض خلاياه وذراته. فهل يعني ذلك أنك لم تعد أنت كما أنت؟ بالطبع لا. وماذا لو خضعت لعملية زراعة كبد؟ لقد استُبدل جزء من جسمك بجزء آخر، ومع ذلك تظل أنت كما أنت.
ولنفترض أن مرضًا خطيرًا أصابك واضطر الأطباء إلى استبدال الكبد والكليتين والقلب والرئتين والدم، بل وحتى بعض أنسجة الوجه، بأعضاء وبدائل اصطناعية. وبعد العملية أصبحت بصحة جيدة واستطعت مواصلة حياتك بصورة طبيعية.
هل ستقول عائلتك إنك مت لأن معظم جسمك المادي قد استُبدل؟ بالتأكيد لا. سيقولون إنك ما زلت أنت.
إذن، يبدو أن هناك شيئًا آخر غير مجرد الجسم المادي هو المحدد لهويتك.
ربما حمضك النووي؟
لكن هنا تظهر مشكلة كبيرة: التوائم المتطابقة. فهما يشتركان في حمض نووي متطابق تقريبًا، ومع ذلك، هما شخصان مختلفان. فأنت أنت، وأخوك التوأم ليس أنت.. إذن، لا يبدو أن الحمض النووي يعطينا الإجابة المتوخاة.
حتى الآن، لا تبدو نظرية الجسم مقنعة جدًا. فمهما استمررنا في استبدال أجزاء رئيسية من أجسامنا، يبدو أننا نظل نحن كما نحن.
لكن ماذا عن الدماغ؟
نظرية الدماغ
لنفترض أن عالمًا مجنونًا اختطفك أنت وبيل كلينتون، ووضعكما في غرفة واحدة، ثم أجرى لكما عملية جراحية ونقل دماغ كل واحد منكما إلى جسم الآخر. وبعد إتمام العملية، أوقظكما.
تنظر إلى نفسك، فتجد أنك أصبحت في جسم بيل كلينتون، بينما ترى في الطرف الآخر من الغرفة جسمك القديم، لكنه الآن يحمل هوية بيل كلينتون.
هل ما زلت أنت أنت؟
قد يقول حدسك الأول: نعم، ما زلت أنت أنا. فما زلت تملك هويتك وذكرياتك؛ وكل ما حدث هو أنك أصبحت في جسم مختلف.
قد تذهب إلى عائلتك وتحاول ان تشرح لهم ما حدث.
وهنا يبدو أن الدماغ أكثر أهمية من بقية أعضاء الجسم. فبإمكانك استبدال الكبد أو القلب أو أعضاء أخرى دون أن تشعر بأن هويتك قد انتقلت إلى شخص آخر. أما إذا انتقل دماغك إلى جسم آخر، فقد تشعر بأنك انتقلت معه.
وبعبارة أخرى، إذا كان الدماغ مرتبطًا بذكرياتك ووعيك وهويتك، فقد يبدو منطقيًا القول أنك تذهب مع دماغك أينما ذهب، حتى لو أصبح داخل جمجمة شخص آخر.
وهذه هي الفكرة الأساسية وراء نظرية الدماغ: أن ما يجعلك أنت أنت، وما يحافظ على هويتك الشخصية، هو دماغك، وليس بقية جسمك.
لكن ماذا لو لم نحتج إلى نقل الدماغ نفسه؟ ماذا لو استطعنا نقل كل ما يحتويه الدماغ من معلومات؟
نظرية المعلومات
لنفترض أن العالم المجنون، بعد أن اختطفك أنت وبيل كلينتون، لم ينقل دماغ أي منكما إلى جسم الآخر. بدلًا من ذلك، وصَّل جهاز كمبيوتر بدماغيكما ونسخ جميع المعلومات المخزنة فيهما.
ثم نسخ تلك المعلومات بالماسح الضوئي من دماغ كل واحد منكما، ونقل معلومات دماغ أحدكما إلى دماغ الآخر.
تستيقظ بعد العملية، ولا يزال دماغك المادي داخل رأسك، لكن بيل كلينتون يستيقظ وفي دماغه جميع أفكارك وذكرياتك ومخاوفك ورغباتك وأحلامك وانفعالاتك وسمات شخصيتك.
في هذه الحالة، سيحمل بيل كلينتون كل ما يميزك أنت من ذكريات وأفكار ومشاعر وسمات شخصية.
وسيتوجه إلى عائلتك ويخبرهم بما حدث. وبعد كثير من محاولات الإقناع، قد يقتنعون بأنك ما زلت على قيد الحياة، لكنك أصبحت في جسم بيل كلينتون.
هذه الفكرة تشبه نظرية الذاكرة في الهوية الشخصية التي طرحها الفيلسوف جون لوك (1)، والتي ترى أن استمرارية الشخص ترتبط بذاكرته وخبراته السابقة.
وبحسب تصور لوك، فإن بيل كلينتون في هذا المثال سيكون أنت، رغم أنه لا يحمل أي جزء من جسمك المادي، ولا حتى دماغك نفسه.
وهذا يقودنا إلى فكرة جديدة يمكن أن نسميها هنا نظرية المعلومات: ربما لا يشكل هويتك جسمك المادي أو دماغك المادي تحديدًا، وإنما المعلومات التي يحملها دماغك؛ أي ذكرياتك وأفكارك وانفعالاتك وسمات شخصيتك.
يبدو أننا بدأنا نقترب من شيء ما. لكن إذا أردنا الوصول إلى إجابة أكثر تحديدًا، فإن أفضل طريقة هي اختبار هذه النظريات من خلال تجارب فكرية. وهنا تصبح الأمور أكثر إثارة للاهتمام.
طرح الفيلسوف البريطاني برنارد ويليامز (1) تجربة فكرية تتعلق بالتعذيب، ويمكن استخدامها لاختبار هذه الأفكار.
اختبار التعذيب
الوضع الأول
اختطاف العالم المجنون لك وبيل كلينتون، واستبدال معلوماتك بمعلومات بيل كلينتون، كما في المثال السابق. ثم إيقاقظه إياكما، وأشار إلى جسم بيل كلينتون الذي يفترض أنك أصبحت فيه، وقال:
“سأقوم الآن بتعذيب أحدكما تعذيبًا شديدًا. فأي واحد منكما يريدني أن أبدأ به أولََا؟” ماذا ستفعل غريزيًا؟ ربما ستشير إلى جسمك القديم، الذي أصبح يحمل معلومات بيل كلينتون، وتقول: «عذّبه أولََا».
إذا كنت تؤمن بنظرية المعلومات، فإن اختيارك يبدو منطقيًا؛ لأن معلوماتك موجودة الآن في جسم بيل كلينتون، وبالتالي فأنت أصبحت في جسمه. فلماذا إذن تهتم بجسمك القديم؟
الوضع الثاني
هذه المرة، أمسك بك العالم المجنون وببيل كلينتون، لكنه لم يفعل شيئًا لدماغيكما.
أنت ما زلت تملك دماغك وجسمك الطبيعيين. ثم قال لك:”حسنًا، سأقوم بتعذيب أحدكما. أي واحد منهما تريدني أن أعذب أولََا؟” أشرت إلى جسم كلينتون، وقلت: “هو”.
فقال العالم المجنون: “حسنًا، ولكن هناك أمر آخر. قبل أن أبدأ تعذيبه، سأمحو جميع المعلومات الموجودة في دماغيكما، بما فيها ذكرياتكما. وعندما يبدأ التعذيب، لن يتذكر أي منكما من كان قبل ذلك. هل سيغير هذا اختيارك؟”
قلت:”لا. عذّبه هو”. فأجاب: “هناك شيء آخر. قبل أن يبدأ التعذيب، لن أمحو معلومات دماغك فحسب، بل سأزرع في دماغك دائرة كهربائية تجعلك مقتنعًا بأنك بيل كلينتون. وعندما أنتهي، ستعتقد أنك بيل كلينتون، وستمتلك ذكرياته وشخصيته وكل ما يفكر فيه ويشعر به ويعرفه. وسأفعل الشيء نفسه ببيل كلينتون، بحيث يعتقد أنه أنت. هل سيغير ذلك اختيارك؟”
فقلت: «لا. بغض النظر عن أي خداع قد أتعرض له، وبغض النظر عمن أعتقد أنني هو، فأنا لا أريد أن أتعرض لذلك الألم الرهيب. عذّبه هو».
إذن، في الوضع الأول، يبدو أنك ستختار أن يُعذَّب جسمك القديم، بينما في الوضع الثاني ستختار أن يُعذَّب جسم بيل كلينتون.
على الأقل، هذا ما سأختاره أنا (الكلام للمؤلف).
لكن المفارقة أن الوضعين متشابهان. ففي كليهما، وقبل أن يبدأ التعذيب، سينتهي الأمر بامتلاك دماغ كلينتون معلوماتك، وامتلاك دماغك معلومات كلينتون. والفرق الوحيد هو اللحظة التي يُطلب منك فيها اتخاذ القرار.
في الوضع الأول، بعد تبادل المعلومات، تشعر بأنك أصبحت في جسم كلينتون، وأن شخصيتك وذكرياتك انتقلت معك.
أما في الوضع الثاني، فلو كنت تفكر بمثل ما أفكر، فلن تهتم بما يحدث لمعلومات الدماغ؛ لأنك تعتقد أنك ستظل موجودًا في جسمك ودماغك الماديين مهما حدث.
وهنا تظهر مشكلة لكل نظرية.
فاختيار جسدك القديم ليكون عرضة للتعذيب في الوضع الأول يثير مشكلة أمام نظرية المعلومات؛ لأنك، وفقًا لهذه النظرية، تعتقد أن أينما ذهبت معلوماتك، ذهبت أنت.
أما اختيار جسم كلينتون في الوضع الثاني فيثير مشكلة أمام نظرية الدماغ؛ لأنك، وفقًا لهذه النظرية، تعتقد أنك ستظل في جسمك ما دام دماغك المادي موجودًا فيه.
ويمكن دفع التجربة خطوة أخرى إلى الأمام. فإذا أخبرك العالم المجنون بأنه سيستبدل دماغيكما الماديين بالكامل، فقد تظل تختار جسم كلينتون، ما دام دماغك موجودًا فيه، ليكون هو الذي يتعرض للتعذيب.
أما من يعتقدون بنظرية الجسم، فقد يختارون الجسم الذي يرونه جسمهم الأصلي، بغض النظر عما يحدث للدماغ أو المعلومات.
لستُ متأكدًا وما زلتُ محتارََا مما ستختاره أنت، لكنني، مع نهاية هذه التجربة، ما زلتُ لم أتمكن، بعد من تجربة التعذيب، من تحديد أي نظرية تفسّر الهوية الشخصية بصورة صحيحة؛ فالتجربة تضعنا أمام احتمالات مختلفة: هل تظل أنت حيث يوجد جسمك، أم حيث يوجد دماغك، أم حيث توجد ذكرياتك ومعلوماتك؟ لذلك يقول إنه ما زال مترددًا وغير قادر على حسم الإجابة
لذلك دعونا نجرب تجربة أخرى.
هذه المرة، سأستخدم نسخة حديثة من تجربة الناقل الآني التي ناقشها الفيلسوف ديريك بارفيت، ولا سيما في كتابه الأسباب والأشخاص (2).
تجربة الناقل الآني
في سنة 2700، قد يخترع البشر جميع أنواع التكنولوجيا التي يصعب تخيلها في عالمنا اليوم، ومن بينها تقنية الانتقال الآني؛ أي القدرة على الانتقال إلى أماكن بعيدة بسرعة هائلة.
وإليك كيف تعمل هذه التقنية:
تدخل غرفة المغادرة، وهي غرفة صغيرة لا تتجاوز مساحتها مساحة مكتب صغير. تختار وجهتك؛ ولنفترض أنك تريد الانتقال من بوسطن إلى لندن. تضغط زرًا على الجدار، فتبدأ جدران الغرفة بمسح جسمك بالكامل، وتسجل بدقة جميع تفاصيل جسمك على المستوى الجزيئي والكيميائي: كل ذرة تدخل في تكوين جسمك، وموقع كل ذرة منها بدقة. وبينما يجري المسح، تقوم الآلة أيضًا بتدمير خلايا جسمك.
للتوضيح، يتكون جزيء الماء، مثلًا، من ذرتي هيدروجين وذرة أكسجين. والآلة تسجل موقع كل ذرة تدخل في تكوين جسمك. وبمجرد انتهاء عملية المسح، تصبح غرفة المغادرة فارغة؛ فقد دُمّرت جميع خلايا جسمك. ثم تُرسل المعلومات التي جُمعت عن جسمك إلى غرفة الوصول في لندن، حيث توجد الذرات اللازمة لإعادة بناء جسمك. وتستخدم غرفة الوصول تلك المعلومات لإعادة تكوين جسمك بالكامل من الذرات الموجودة لديها. وعندما تنتهي العملية، تخرج من الغرفة في لندن بالهيئة نفسها وبالمشاعر نفسها التي كنت تشعر بها في بوسطن. أنت بنفس المزاج، وتشعر بالجوع نفسه، وحتى الخدش الصغير في إبهامك الذي أصابك من ورق في ذلك الصباح ما زال موجودًا.
تستغرق العملية بأكملها، منذ ضغطك على الزر في غرفة المغادرة حتى خروجك من غرفة الوصول، خمس دقائق، لكنها تبدو لك وكأنها تحدث فورًا تقريبًا: تضغط الزر، ويغرق كل شيء في الظلام للحظة، ثم تجد نفسك في لندن.
رائع، أليس كذلك؟
في عام 2700، قد تكون هذه التكنولوجيا مألوفة، وسيستخدمها للسفر كل من تعرفه تقريبًا.
وإلى جانب سرعتها وراحتها، ستكون آمنة بصورة مذهلة؛ فلن يُصاب أحد بأذى بسببها قط.
لكن في أحد الأيام، وأنت تتجه إلى غرفة المغادرة في بوسطن للذهاب كالمعتاد إلى عملك في لندن، تضغط على الزر الكبير الموجود على الجدار.
تسمع صوت الماسح الضوئي وهو يبدأ بالعمل، لكنه لا يعمل بالطريقة المعتادة. لا يحدث الظلام الذي لا يدوم إلّا جزءً من الثانية، بل تخرج من الغرفة لتجد نفسك ما زلت في بوسطن.
تتوجه إلى مكتب الاستقبال وتخبر الموظفة بأن غرفة المغادرة معطلة، وتسألها عما إذا كان بإمكانك استخدام غرفة أخرى؛ لأن لديك اجتماعًا صباحيًا مبكرًا ولا تريد التأخر عنه. تنظر الموظفة إلى سجلاتها وتقول: لها أن الغرفة عملت بشكل طبيعي، ومسحت جسمك بالكامل، لكن جهاز تدمير الخلايا، الذي يعمل بالتوازي مع الماسح الضوئي، لم يعمل.
فقلتَ: “لا! هذا مستحيل. أنا ما زلت هنا. لقد تأخرت عن الاجتماع. هل يمكنكِ مساعدتي في استخدام غرفة أخرى؟”
شغّلت الموظفة مقطع فيديو وقالت: “الغرفة عملت بالفعل. انظر بنفسك. أنت الآن في لندن، وستصل إلى اجتماعك في الموعد المحدد.”
نظرتَ إلى الشاشة، ورأيتَ نفسك تمشي في شوارع لندن. وقلتَ: “لكن هذا ليس أنا. أنا ما زلت هنا في بوسطن.”
في تلك اللحظة، دخل رئيس الموظفة وقال إن ما حدث طبيعي. فقد عمل الماسح الضوئي بصورة صحيحة، وكل ما تعطل هو جهاز تدمير الخلايا في غرفة المغادرة في بوسطن. وأخبرك بأنه لا توجد مشكلة؛ فقد تمكنا من استخدام غرفة أخرى لتفعيل جهاز تدمير الخلايا وإكمال العملية.
فشعرتَ بالرعب وقلتَ: «انتظر! لا. لا أريد ذلك. سأموت!»
أجاب الرئيس: “لن تموت يا سيدي. لقد رأيتَ نفسك في لندن. أنت هناك حيٌّ وبصحة جيدة.”
صرختَ: “لكن هذا ليس أنا! تلك نسخة مني. أنا بالفعل هنا. لا يمكن أن تدمروا خلاياي.”
نظر الرئيس والموظفة إلى بعضهما في ارتباك.
ثم قال: “أنا آسف، لكننا ملزمون قانونًا بتدمير خلاياك. لا يُسمح لنا بإعادة تكوين جسم الشخص في غرفة الوصول ما لم تُدمَّر خلاياه في غرفة المغادرة.”
حدّقتَ فيهما غير مصدق، ثم اندفعتَ نحو الباب.
لكن حارسين أمسكَا بك وسحبَاك باتجاه الغرفة التي ستُدمَّر فيها خلاياك، وأنت ترفس وتصرخ.
لو كنتَ مثلي في بداية القصة، فقد تكون قد اندمجت تمامًا مع فكرة الانتقال الآني. أي أنك في بداية القصة كنت مقتنعًا بفكرة الانتقال الآني ومتحمسًا لها، وكنت تراها وسيلة طبيعية وآمنة للسفر من مكان إلى آخر، من دون أن تشك في أن الشخص الذي ظهر في لندن هو أنت فعلًا. لكن بعد أن عرض عليك السيناريو الذي بقيتَ فيه في بوسطن بينما ظهرت نسخة منك في لندن، بدأت تشك في أن الانتقال الآني يعني انتقالك أنت فعلًا، أو أنه في الحقيقة يتضمن تدمير خلاياك وإنشاء نسخة منك في مكان آخر.لكن الآن لم تعد مقتنعًا بأن الانتقال الآني يعني انتقالك أنت فعلًا.
وهذا هو السؤال الذي تطرحه هذه القصة: هل الانتقال الآني، كما وصفناه، نوع من السفر، أم نوع من الموت؟
قد لا يبدو السؤال واضحًا عندما وصفنا التقنية أول مرة؛ فقد بدت في البداية وكأنها رحلة آمنة تمامًا. لكن عندما فكرتَ فيما يحدث فعليًا أثناء الانتقال الآني، أدركتَ أنه قد يكون أقرب إلى الموت منه إلى السفر.
فكل يوم، عندما تسافر بين بوسطن ولندن بهذه الطريقة، تُدمر خلاياك، ثم تُنشأ نسخة أخرى منك في لندن. وبالنسبة إلى من يعرفونك، لن يلاحظوا أي فرق في الشخص الذي عاد من الانتقال الآني؛ فأنت ما زلت نفس الشخص في نظرهم.
والأمر نفسه ينطبق على زوجتك. فزوجتك، مثلًا، تدخل جهاز الانتقال في لندن، ثم تظهر بعد دقائق في بوسطن بالشكل نفسه، وتتذكر حياتها وتتحدث معك كما كانت تفعل في السابق قبل الرحلة. لكن السؤال المقلق هو: ماذا لو كانت زوجتك الأصلية قد ماتت فعلًا أثناء عملية الانتقال الآنيّ بعد أن دُمّرت خلاياها في جهاز الانتقال؟ وماذا لو كان الشخص الذي عاد إلى البيت في بوسطن هو نسخة مطابقة لها تمامًا، تحمل ذكرياتها وشخصيتها نفسها؟ أي أن المشكلة ليست في قدرة النسخة على أن تبدو وتتذكر وتتصرف مثل زوجتك، بل في السؤال: هل النسخة هي زوجتك نفسها، أم مجرد نسخة مطابقة لها؟ أي أن السؤال هو: هل الشخص الذي ظهر بعد الانتقال الآني هو فعلًا نفس الشخص الذي دخل الجهاز، أم أنه مجرد نسخة مطابقة له
وهنا نعود إلى السؤال الأساس: ما العوامل التي حددت هويتك؟ أهو جسمك؟أم دماغك؟ أم ذكرياتك ومعلوماتك؟ أم أن هويتك شيء آخر لا تستطيع أيٌّ من هذه النظريات تفسيره بشكل كافٍ؟
الاستمرارية
قبل بضع سنوات، أشار جدي الراحل، الذي كان في التسعينيات من عمره حينئذٍ ويعاني من الخرف، إلى صورة معلّقة على الحائط له عندما كان في السادسة من عمره، وقال: «هذا أنا!».
وكان محقًا. لكن، لنكن واقعيين؛ يبدو من الغريب القول إن الطفل ذو الست سنوات في الصورة هو الشخص نفسه الذي أصبح ذلك الرجل العجوز الذي كان واقفََا بجانبي. فلا يبدو أن بينهما شيئًا مشتركًا تقريبًا. فمن الناحية الجسدية، كان الاختلاف بينهما هائلًا؛ إذ إن كل خلية تقريبًا في جسم ذلك الطفل ذي الست سنوات ماتت قبل عقود. أما من ناحية الشخصية، فالطفل والرجل العجوز مختلفان جدًا. كما أن ذكريات الطفل ومعارفه كانت مختلفة كثيرًا عما لدى جدي الآن. فقد مر أكثر من ثمانية عقود، تغيرت خلالها ذكرياته ومعارفه وخبراته.
وكانت شخصيتهما مختلفتين جدًا، لدرجة أنه من الصعب تخيل أن يصبح أحدهما صديقًا للآخر لو التقيا. كما أن ما كان يعرفه الطفل ذو الست سنوات يختلف كثيرًا عما يعرفه جدي ذو التسعين. بل إن أي رجل آخر في التسعين من عمره قد يكون أقرب إلى جدي في شخصيته ومعرفته من ذلك الطفل.
لكن تذكّر: ربما لا يتعلق الأمر بالتشابه، بل بالاستمرارية. فإذا كان التشابه كافيًا لتحديد هويتك، فإن “أنت” في بوسطن و”أنت” في لندن، وهما متطابقان، سيكونان الشخص نفسه. أما الشيء الذي يشترك جدي فيه مع الطفل ذي الست سنوات في الصورة، لا يشاركهما آخر في العالم، حيث كان الاثنان مرتبطين بسلسلة طويلة ومتواصلة من الوجود. ربما لم يكن جدي العجوز يعرف الكثير عن ذلك الطفل ذي الست سنوات، لكنه كان يعرف بعض الأشياء عن نفسه عندما كان في التاسعة والثمانين، ولما كان جدي في التاسعة والثمانين كان يعرف الكثير عن نفسه عندما كان في الخامسة والثمانين. وعندما كان في الخمسين، كان يعرف الكثير عن نفسه عندما كان في الثالثة والأربعين، وعندما كان في السابعة، كان يعرف نفسه جيدًا عندما كان في السادسة. فهي إذن سلسلة طويلة من الذكريات والصفات الشخصية والخصائص الجسمية المتداخلة التي تربط مراحل حياته ببعضها.
الأمر يشبه قاربك الخشبي القديم. ربما أصلحتَه مئات المرات على مر السنين، واستبدلت قطعة خشب بأخرى، حتى جاء اليوم الذي اكتشف فيه أنه لم تبقَ هناك أي قطعة من القارب الأصلي. فهل يظل هذا القارب قاربك؟ فلو سميت قاربك “بولي” في اليوم الذي اشتريته فيه، فهل ستغير اسمه الآن؟ بالطبع سيظل اسمه “بولي” كما كات، أليس كذلك؟
بهذا المعنى، فأنت لست شيئًا ثابتًا ومحددًا بقدر ما أنت قصة تتطور بمرور الزمن، أو مسار متواصل من التغيرات، مع وجود نمط عام من الصفات والسمات التي تجعلك الشخص نفسه، رغم مرور السنين. فأنت اليوم لست مطابقًا تمامًا لما كنت عليه في طفولتك؛ فقد تغير جسمك وذكرياتك وأفكارك وشخصيتك، ومع ذلك تظل هناك استمرارية تربط بين الشخص الطفل والشخص العجوز اليوم. فأنت أشبه بغرفة فيها أشياء؛ بعضها قديم وبعضها جديد، وبعضها تدركه وبعضها لا تدركه، لكن الغرفة تتغير باستمرار ولا تبقى كما هي.
وبالمثل، فأنت لست مجرد مجموعة ثابتة من معلومات في دماغك، لأن ذكرياتك وأفكارك وخبراتك تتغير باستمرار، وتُضاف إليها أشياء جديدة بمرور الزمن. كما أنك لست مجرد جسم مكوّن من ذرات، لأن هذه الذرات نفسها تتغير وتتجدد، بينما يستمر جسمك في تنظيمها بطريقة تبقيك نفس الشخص.
كثيرًا ما يتحدث الناس عن “الروح”، لكنني لم أفهم تمامًا ما يقصدونه بها. ربما تكون الروح، كما يتصورها البعض أنها هي التي تجعل الإنسان هو نفسه رغم مرور الزمن وتغير جسده وذكرياته. فجدي الذي بلغ التسعين من عمره يختلف كثيرًا عن الطفل الذي ظهر في الصورة، ومع ذلك نشعر بأنه هو الشخص نفسه. ومع أن خلاياه وذكرياته تغيرت بمرور السنين، ربما تكون الروح هي الشيء الذي يجعل الإنسان يظل هو نفسه، رغم أن جسده وذكرياته وأفكاره تتغير مع مرور الزمن. وربما يكون هذا الشيء هو ما نسميه “الروح”.
وبعد أن تناولنا الإنسان من كل زاوية جسمية وعقلية في هذا المقال، ربما تمكن الإجابة التي طالما بحثنا عنها في “الروح”؛ أي الشيء الذي يجعل الإنسان يبقى هو نفسه رغم كل التغيرات التي طرأت عليه.
بالنسبة لي، لطالما بدت كلمة “الروح” عندما يقول الناس “الروح” قد يشيرون في الحقيقة، بطريقة شاعرية، إلى أعمق ما في داخل الإنسان، أي أفكاره ومشاعره ووعيه، وربما ما يرتبط منها بالدماغ؛ أو يحاولون منح البشر قدرًا من الكرامة يتجاوز كونهم مجرد كائنات بيولوجية بدائية؛ أو وسيلة للقول إننا كائنات خالدة. لكن ربما، عندما يتحدث الناس عن «الروح»، فإنهم يقصدون ذلك الشيء الذي يربط جدي، وهو في التسعين من عمره، بالطفل الذي يظهر في الصورة. فمع موت خلاياه وذكرياته وتبدلها، ومع تغيّر كل قطعة خشب في زورقه مرة بعد أخرى، ربما تكون الروح هي الخيط المشترك الذي يجعل كل ذلك يعود إلى الشخص نفسه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش
1- https://www.uvm.edu/~lderosse/courses/metaph/Williams(1970).pdf
2- https://ar.wikipedia.org/wiki/ديريك_بارفيت
المصدر الرئيس



