الثلاثاء 13 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

القرآن أولا 18| استحباب الغسل لذاته

صُبرةالجمعة 4 سبتمبر 2026، 4:44 م
القرآن أولا 18| استحباب الغسل لذاته

الشيخ علي الفرج

من المسائل التي بحثها الفقهاء: هل الغسل، في غير الموارد التي ثبت وجوبه فيها، مستحب في نفسه، بمعنى أن نفس الاغتسال ـ بما هو غسل ـ عمل عبادي محبوب في ذاته، فيستحب للمكلف أن يغتسل متى شاء، من غير أن يتوقف استحبابه على سبب خاص؟ أم أن استحباب الغسل ليس ذاتيا، وإنما يثبت عند تحقق سبب خاص ورد فيه دليل على استحباب الغسل؟

وتظهر ثمرة هذا البحث في صورة ما لو فرضنا مكلفا استيقظ لصلاة الفجر يوم الإثنين، وهو يوم لم يثبت فيه غسل مندوب برواية معتبرة خاصة، فأراد أن يغتسل بقصد القربة، لا لسبب معين، وإنما بنية «غسل الطهارة» فقط، ثم صلى بعد ذلك من غير وضوء. فهل يكون هذا الغسل ـ بناء على القول باستحباب الغسل لذاته ـ غسلا صحيحا ومشروعا، ويكفي عن الوضوء؟ أم لا يكون كذلك، لعدم ثبوت استحباب الغسل من دون سبب خاص أي برواية معتبرة؟

وعلى القول بعدم استحباب الغسل لذاته، وأن استحبابه إنما يثبت بوجود رواية معتبرة كغسل يوم الجمعة، فلا يصح الإتيان به بعنوان الاستحباب، وإنما يجوز للمكلف أن يغتسل برجاء المطلوبية، إلا أن هذا الغسل لا يكفي عن الوضوء.

وأما على القول باستحباب الغسل لذاته، فيكون الغسل في هذا الفرض صحيحا ومشروعا؛ لأن نفس الغسل، بما هو غسل، مستحب في ذاته، وإن لم يقترن بسبب خاص. وحينئذ يكفي عن الوضوء، فتكون الصلاة صحيحة في يوم الإثنين.

وقد ذهب المشهور شهرة كاسحة بين جملة من الأعلام، ومنهم السيد الخوئي (قده)، إلى أن الغسل إنما يكون مشروعا إذا ثبت بعنوان خاص، أي رواية معتبرة، ولم يثبت استحبابه لذاته.

غير أن التحقيق يقتضي إعادة النظر في أصل هذه الكبرى: فهل هو محبوب شرعًا في نفسه، ومجعول بعنوانه، بحيث يكفي حينئذٍ عن الوضوء في كل زمان ومكان؟

ويمكن الاستدلال على استحباب الغسل لذاته بأربعة أدلة:

– الدليل الأول:

الآية الكريمة: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: 222]. تأتي هذه الآية في سياق الحديث عن أحكام الحيض، وما يتعلق به من الطهارة والاغتسال، إلا أن ذيلها يتضمن قاعدة قرآنية عامة، وهي محبوبيّة التوبة والتطهر عند الله. فالتوبة، بما هي طهارة باطنية للنفس من أدران المعاصي، محبوبة لله في نفسها، وكذلك التطهر الظاهري، ومن أوضح مصاديقه الاغتسال.

وهذا المعنى ظاهر من سياق الآية؛ إذ لا يختص الحكم بالمورد الذي وردت فيه الآية، وهو اغتسال الحائض، فالآية عن قاعدة كلية، وهي محبوبيّة التطهر، يمكن تطبيقها في مختلف الموارد والأبواب والأزمان.

– الدليل الثاني:

وردت في الروايات عبارات تؤكد أبلغية الغسل في تحقيق الطهارة بالنسبة إلى الوضوء، كقول الإمام (عليه السلام): «الغسل يجزي عن الوضوء، وأي وضوء أطهر من الغسل؟»، وقوله (عليه السلام): «وأي وضوء أنقى من الغسل وأبلغ!» (التهذيب 1: 139 ـ 140).

والاستفهام في الروايتين إنكاري، ومفاده أن الغسل يحقق من الطهارة ما هو أتم وأبلغ مما يحققه الوضوء، فلا وجه لإيجاب الوضوء بعده؛ إذ لا معنى لطلب مرتبة أدنى بعد تحقق المرتبة الأعلى.

وإن كانت الروايتان ضعيفتي السند، إلا أن ضعف السند لا يمنع الاستدلال بمضمونهما بعد موافقته للقرآن؛ أي الآية السابقة الدال على محبوبيّة التطهر بعنوانه العام، فتكون الروايتان مؤيدتين لما دل عليه القرآن من أصل محبوبيّة الطهارة.

– الدليل الثالث:

إن أهل البيت عليهم السلام ليسوا مشرعين في عرض القرآن، وإنما شأنهم بيان أحكام القرآن وتطبيق قواعده العامة على مصاديقها. فإن ما ورد عنهم عليهم السلام من الأغسال المندوبة، كغسل الجمعة والعيدين والمباهلة ودخول مكة والمدينة ودخول مسجد الرسول، وبعض ليالي شهر رمضان ونحوها، يحمل على كونه بيانا لمصاديق الطهارة المحبوبة، لا تأسيسا لتشريع مستقل.

والنتيجة: أن أهل البيت عليهم السلام إنما يقومون بتطبيق الأصل القرآني العام: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: 222]، وبيان بعض مصاديقه المؤكدة أو الأكمل، فلا يقتضي ذلك انحصار دائرة الاستحباب فيها.

ـ الدليل الرابع:

إن الغسل قد اقترن في الكتاب العزيز بالتطهر حقيقة، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾، كما جعل التطهر محبوبا لديه سبحانه: ﴿وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: 222]. فمقتضى إطلاق التعبير القرآني أن الغسل هو بنفسه من مصاديق التطهر، سواء كان واجبا أم مندوبا، ولم يرد في الآيات ما يدل على اقترانه بالوضوء. وبناء على ذلك، يمكن الاستظهار بأن كل غسل مشروع يحقق أصل الطهارة المعتبرة، ولا يحتاج معه إلى ضم الوضوء.

ثمرة القول باستحباب الغسل لذاته

بناء على هذا المبنى، يصح للمكلف الإتيان بالغسل في أي وقت ومكان بقصد القربة المطلقة، فيتحقق به الاستحباب الشرعي، ويجزي عن الوضوء. وتترتب على ذلك فروع متعددة:

ومنها: المستحاضة وأقسامها؛ فإن المستحاضة محكومة بالطهارة، ولها أن تصلي بعد الوضوء، كما يجوز لها الغسل والصلاة. غير أن الروايات الواردة عن أهل البيت عليهم السلام تؤكد استحباب المحافظة على الأغسال والأعمال الواردة في حقها، إذ إن المستحب عندهم بمنزلة الواجب من حيث شدة التأكيد عليه.

فبناء على القول باستحباب الغسل لذاته، لو اغتسلت المستحاضة بقصد القربة المطلقة، صح غسلها وأجزأها عن الوضوء، ولا تتوقف صحة صلاتها على ضم الوضوء إليه.