12 ألف دولار فضة.. حملها جمل إلى الرياض بلا حارس

القطيف: صُبرة
ثروة طائلة، حملها جمل واحد، من قلب الهفوف إلى قلب الرياض، دون أي حراسة تُذكر..!
قصة لو سردها مؤرخ سعودي بعد عقود لحامت حولها أسئلة المبالغة، لكن راويها هذه المرة عاشها بنفسه؛ طبيب أمريكي رافق جمل الأموال في قافلة صغيرة، وعبر معه الصحراء 5 أيام، قبل أن يسجل ما رآه وينشر روايته التفصيلية في دورية الإرسالية الأمريكية Neglected Arabia.
كان ذلك في صيف 1917م، الموافق 1335هـ. وكان الطبيب الأمريكي بول ولفرد هاريسون قد عاد مع زوجته إلى البحرين بعد 6 أسابيع أمضياها في دارين، قرب القطيف، في مهمة طبية مرتبطة بحالة ولادة، فوجد رسالة من الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، الذي تسميه الوثائق الأجنبية في تلك المرحلة «ابن سعود»، يدعوه فيها إلى الرياض. وغادر هاريسون البحرين في رحلة طبية إلى العاصمة، انتهت بإقامة استمرت نحو 20 يوماً مارس خلالها عمله طبيباً.
بدأ الطريق برحلة بحرية استغرقت يومين إلى العقير، ومنها تحرك هاريسون إلى الأحساء، قاطعاً نحو 40 ميلاً في ليلة واحدة على الدواب. وأمضى في الأحساء 4 أيام، قبل أن تبدأ المرحلة الأطول والأشد قسوة من الرحلة: عبور الصحراء إلى الرياض في عز الصيف.

الجمل التاسع
تجمعت القافلة في الأحساء، وكانت صغيرة؛ 9 جمال فقط. حملت 3 منها هاريسون ومساعده الطبي ومستلزماته، وركب 5 جمال مسافرون صادف أنهم يقصدون الرياض أيضاً. أما الجمل التاسع فكان مختلفاً؛ فقد حمل إيرادات الحكومة في الأحساء، وكانت من الفضة، في طريقها إلى الرياض.
قدّر هاريسون قيمة حمولة ذلك الجمل، وفق ما بلغه، بنحو 12 ألف دولار بمقاييس سنة 1917، ثم سجل التفصيل الذي حوّل مشهد القافلة إلى شهادة تاريخية: جمل الفضة سار «بلا حراسة».
وبلغة حملت دهشته من المشهد، ربط الطبيب الأمريكي بين غياب الحراس ومستوى الأمن في البلاد تحت حكم ابن سعود؛ فكتب أن الأمن كان مكتملاً إلى درجة جعلت مرور هذه الثروة عبر الصحراء بهذه الصورة أمراً عادياً لدى رفاق الطريق، لم يستدعِ منهم دهشة أو تعليقاً.
وكان هاريسون قد لمح الفرق قبل أن تبدأ الرحلة إلى الرياض. ففي الأحساء وصف إدارة المدينة بالحازمة والكفؤة، وقارن ذلك بالعهد العثماني، قائلاً إن أكثر من فوجين من الجنود الأتراك كانوا يُستخدمون سابقاً لإبقاء طريق العقير مفتوحاً.
5 أيام فوق الجمال
تحركت القافلة والجمل المحمل بالفضة نحو نجد. وفي منتصف الصيف، كان المسافرون يستريحون قرابة 3 ساعات ظهراً، وساعة عند الغروب، ونحو ساعتين قبيل الفجر، ويقضون بقية الوقت فوق ظهور الجمال. واستمر هذا النظام 5 أيام كاملة.
ومضت أيام شاهد فيها هاريسون صحراء شبه خالية من البشر؛ فسجل أنهم قطعوا مسافات طويلة دون أن يصادفوا شخصاً واحداً. ثم دخل الركب جزءاً من الدهناء، واستغرق عبوره نحو 9 ساعات وسط كثبان ضخمة، في منطقة قال إن الماء فيها كان يبعد نحو 100 ميل في أي اتجاه.

وبعد 3 أيام من الأحساء وصلت القافلة إلى أبو جفان، حيث أول بئر على الطريق، ثم واصلت السير يومين آخرين عبر مناطق بدأت تظهر فيها الآبار وبعض المساكن. وفي قرابة منتصف الليل من اليوم الخامس، وصلت القافلة إلى مشارف الرياض. نام المسافرون خارج المدينة وفق عادة الطريق، ثم دخلوها في الصباح.
وهكذا أكمل جمل الفضة الرحلة التي أثارت انتباه الطبيب الأمريكي: 5 أيام من الأحساء إلى الرياض، عبر الصحراء والدهناء، حاملاً إيرادات حكومية قدرت بـ12 ألف دولار، دون حراسة مخصصة لحمولته.
مليون ريال بمقاييس اليوم
وبحساب القوة الشرائية للدولار الأمريكي، تعادل 12 ألف دولار في 1917 اليوم قرابة 1.2 مليون ريال سعودي. والمقارنة هنا للقوة الشرائية للمبلغ وليست تقديراً للقيمة الحالية للفضة؛ فقد ذكر هاريسون قيمة الحمولة بالدولار ووصفها بأنها فضة، دون تحديد أنواع العملات أو وزنها.
وتزداد قيمة الرواية لأنها جاءت من شاهد كان داخل القافلة. كما أن دورية Neglected Arabia قدمت المادة باعتبارها الرواية التفصيلية للرحلة التي أرسلها هاريسون نفسه، بعد أن نشرت في عدد سابق ملخصاً لزيارته مأخوذاً من التقرير السنوي للإرسالية.
دخل هاريسون الرياض في ذلك الصباح طبيباً مدعواً من الملك عبدالعزيز، وأمضى فيها نحو 20 يوماً. وبعد أكثر من قرن، بقي من تفاصيل رحلته مشهد شديد البساطة والدلالة: قافلة من 9 جمال، أحدها يحمل ثروة من الفضة، وطريق صحراوي يستغرق 5 أيام، وحمولة مالية عبرت الطريق بلا حارس.
من الوثيقة الأصلية | الفقرة التي سجّل فيها الطبيب الأمريكي بول هاريسون قصة جمل إيرادات الأحساء المحمّل بالفضة في رحلته إلى الرياض سنة 1335هـ/1917م، ووصف فيها مستوى الأمن في بلاد «ابن سعود». المصدر: Neglected Arabia، 1918




