الثلاثاء 13 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

القهوة.. تحوّل دلالي من كأس الخمر إلى فنجان البن..!

صُبرةالخميس 1 أكتوبر 2026، 4:18 م
القهوة.. تحوّل دلالي من كأس الخمر إلى فنجان البن..!

القطيف: صُبرة

قبل أن تكون «القهوة» فنجاناً ساخناً من البن؛ كانت كأساً من الخمر..! وقبل أن يصبح هذا المشروب شائعاً في المجتمعات؛ مرّ بمرحلة تحريم وعقوبات مشددة في المجتمع الإسلامي.

وفي الأول من أكتوبر من كل عام؛ يحتفل العالم بالقهوة في يومها الدولي، وهي مناسبة لاستعادة قصة مشروب كانت رحلته استثنائية؛ في دلالة اسمه، وفي حكم شربه.

والكلمة التي يعرفها العرب اليوم اسماً لمشروبهم الأشهر، عاشت تحوّلاً دلالياً لافتاً؛ حملت فيه معنى قديماً قروناً، ثم انتقلت إلى معنى آخر، حتى غلب الجديد على القديم، وبات سماع «القهوة» يستدعي البن والدلة والفنجان، بعدما كانت الكلمة نفسها تستدعي الخمر في كلام العرب وشعرهم.

لكن رحلة «القهوة» كانت لسانية وفقهية معاً؛ فقد رافق انتقال الاسم من الخمر إلى البن جدل فقهي طويل حول المشروب الجديد، واختلف العلماء في حِلّه وحرمته، ودخل الأطباء والفقهاء والسلطة على خط النقاش، وتحولت القهوة في بعض مراحل تاريخها إلى قضية عامة أشعلت خصومات في مكة والقاهرة. وهكذا تداخلت في حكاية «القهوة» قصتان: قصة كلمة غيّرت معناها، وقصة مشروب اختلف الفقهاء في حكمه.

قبل البن.. كانت خمراً

عرفت العربية «القهوة» قبل معرفة مشروب البن بقرون، وجاءت الكلمة في الشعر العربي القديم اسماً للخمر. وسجّلت المعاجم العربية هذا المعنى بوضوح. وجاء في «تاج العروس» للزبيدي: «القهوة: الخمر»، وذكر تفسيراً للتسمية يقوم على أنها «تُقهي» شاربها عن الطعام؛ أي تذهب بشهوته إليه.

ثم التقط الزبيدي نفسه التحول الذي أصاب الكلمة، فقال إن هذا هو «الأصل في اللغة»، ثم أُطلقت القهوة على الشراب المصنوع من البن في اليمن. وأشار في الموضع نفسه إلى ما دار حول «قهوة اليمن» من أقوال في الحِل والحرمة. وبذلك حفظ المعجم، في بضعة أسطر، وجهي الحكاية معاً: التحول اللساني والخلاف الفقهي.

وتؤكد دراسات لغوية وجود «القهوة» بمعنى الخمر في الشعر السابق للإسلام، قبل أن يستولي مشروب البن لاحقاً على الاسم. وتبحث دراسات أخرى في انتقال بعض الوظائف الاجتماعية والرمزية والشعرية أيضاً من الخمر القديمة إلى القهوة الجديدة.

البن شيء.. والقهوة شيء آخر

وهنا يظهر تفصيل لغوي مهم. فـ«البُن» هو الثمر الذي يُحمص ويُطحن، أما «القهوة» فهي الاسم الذي استقر للمشروب المصنوع منه. ولذلك كان انتقال كلمة «القهوة» إلى المشروب الجديد تحولاً في دلالة الاسم، وليس تغييراً لاسم الثمرة نفسها.

والطريق الذي سلكته الكلمة بعد ذلك تجاوز العربية؛ فانتقلت «قهوة» إلى التركية العثمانية بصيغة «kahve»، ومنها إلى لغات أوروبية، حتى وصلت إلى كلمات من قبيل coffee وcaffè. وهكذا صدّرت العربية إلى لغات العالم اسماً كان له، في داخل العربية نفسها، تاريخ مختلف تماماً.

المشروب الجديد يثير السؤال القديم

وحمل المشروب الجديد اسماً ارتبط بالخمر، فيما دارت المناقشات أيضاً حول أثره في العقل والجسد وطريقة تناوله والاجتماعات التي ارتبطت به. وتظهر إحدى أشهر المحطات في مكة سنة 917هـ/1511م، عندما شاهد خاير بك، محتسب مكة في العهد المملوكي، جماعة يشربون القهوة ليلاً في نطاق المسجد الحرام.

كانت القهوة وقتها مشروباً حديث الحضور نسبياً في الحياة العامة، وأثارت طريقة تناولها ريبة المحتسب. فعُقد مجلس ضم فقهاء وأطباء للنظر في أمرها، ودخل السؤال الفقهي في صلب القضية: هل يؤثر هذا الشراب في العقل؟ وهل يلحق بالمسكرات؟ وانتهت الواقعة إلى منع القهوة في مكة فترة من الزمن. ومن هنا خرج الفنجان من مجلس شاربيه إلى مجالس الفقهاء.

القاهرة.. الفتوى تكسر الأواني

وبعد نحو عقدين، انتقلت واحدة من أشهر معارك القهوة إلى القاهرة. ففي سنة 939هـ/1532-1533م، أفتى الفقيه الشافعي شهاب الدين أحمد بن عبدالحق السنباطي بتحريم القهوة، وعدّها من المسكرات. ثم تصاعد الخلاف، ووصل في مرحلة لاحقة إلى اعتداء متعصبين على أماكن بيعها وكسر أواني القهوة وضرب بعض الموجودين فيها.

لكن القضية أخذت اتجاهاً آخر مع تدخل القاضي الحنفي محيي الدين محمد بن إلياس. وتروي المصادر أنه جمع جماعة في منزله، وقدم إليهم القهوة، وراقب أثرها فيهم، ثم انتهى إلى القول بإباحتها. كانت المسألة، في أحد وجوهها، تجربة مبكرة وبسيطة للإجابة عن السؤال الذي دار حوله الخلاف: هل تسكر القهوة شاربها؟

وبمرور الزمن اتسعت دائرة القائلين بإباحتها، واستقر المشروب في الحياة الاجتماعية، بينما ظل تاريخ الجدل محفوظاً في كتب الفقه والتاريخ واللغة.

انتصر المعنى الجديد

واللافت في رحلة «القهوة» أن المشروب لم يكتفِ بالبقاء؛ بل انتصر اسمه الجديد أيضاً. تراجعت دلالة «القهوة» بمعنى الخمر إلى بطون المعاجم والشعر القديم، وسيطرت دلالة البن على الاستعمال اليومي حتى أصبحت هي المعنى الذي يتبادر إلى الذهن.

وهذا ما يسميه علم الدلالة تحولاً أو تغيراً دلالياً؛ فاللفظ باقٍ، فيما انتقل مركز معناه من مدلول إلى آخر. وفي حالة «القهوة» تبدو الرحلة أكثر طرافة؛ لأن الدلالة القديمة والجديدة التقتا، في مرحلة التحول، داخل السؤال الفقهي نفسه: هل يأخذ المشروب الجديد شيئاً من حكم الاسم القديم؟

وبعد قرون من ذلك الجدل، بقيت «القهوة» في اللسان العربي، لكن الكأس غابت وحضر الفنجان؛ وغادر الاسمُ الخمرَ، واستقر في البن.