منغروف القطيف.. 4 أخوات مختلفات.. من أب واحد

القطيف: صُبرة
أظهرت دراسة علمية حديثة أن أشجار المنغروف المنتشرة على سواحل سيهات والقطيف وتاروت وصفوى تختلف في خصائصها البيئية والكيميائية والوراثية، رغم انتمائها إلى النوع النباتي نفسه، وهو ما يفتح الباب أمام تطوير أساليب أكثر دقة لحماية هذه الأشجار وإعادة استزراعها، تراعي خصوصية كل موقع بدلاً من التعامل مع جميع مواقع المنغروف بوصفها بيئة واحدة.
وخلصت الدراسة إلى أن الاختلافات بين المواقع الأربعة لا تقتصر على كثافة الأشجار وأحجامها وطبيعة التربة والمياه المحيطة بها، بل تمتد إلى التركيب الوراثي والمركبات الكيميائية التي تنتجها النباتات، بما يشير إلى وجود مجموعات محلية متمايزة من المنغروف على امتداد ساحل القطيف.
ونُشرت الدراسة في 27 يوليو 2026 في مجلة «BMC Plant Biology» البريطانية الدولية المحكّمة، التابعة لمجموعة «Springer Nature»، وأعدتها الباحثة الدكتورة عائشة الشمري، الأستاذ المساعد في قسم الأحياء بكلية العلوم ومركز البحوث العلمية الأساسية والتطبيقية في جامعة الإمام عبدالرحمن بن فيصل بالدمام.

4 مواقع.. بيئات مختلفة
ورصدت الدراسة اختلافات واضحة في المظهر العام لأشجار المنغروف، المعروفة أيضاً باسم «القرم»، واسمها العلمي Avicennia marina، بين المواقع الأربعة.
ففي تاروت، لاحظت الباحثة وجود تجمعات شجرية كثيفة نسبياً، تتميز بوفرة الأوراق والجذور التنفسية التي تبرز فوق سطح التربة، مع رواسب ناعمة ومياه هادئة تميل إلى العكارة.
أما سيهات، فسجلت أشجاراً خضراء متوسطة الكثافة، مع انتشار متوسط للجذور التنفسية، وتربة أكثر تماسكاً نسبياً، ومياه أوضح من تلك الموجودة في موقع تاروت.
وفي موقع القطيف، أظهرت الملاحظات الميدانية غطاءً نباتياً أقل كثافة، وأعداداً أقل من الأشجار والجذور التنفسية، مع مساحات أوسع من التربة المكشوفة بين الجذور.
بينما تميزت صفوى بأشجار طويلة ومتطورة، وانتشار واسع ومنتظم للجذور التنفسية، وسجلت الدراسة أن موقعها كان الأكثر تطوراً وتعقيداً من حيث البنية النباتية بين المواقع الأربعة.

مفارقة الملوحة
ولم تتوقف الاختلافات عند المظهر الخارجي للأشجار، إذ أظهرت تحاليل المياه والتربة تبايناً في الظروف البيئية المحيطة بها.
وسجلت الدراسة أعلى ملوحة للمياه في سيهات، بواقع 41.7 جزءاً بالألف، تلتها تاروت بـ40.5، ثم صفوى بـ40 جزءاً بالألف، بينما سجل موقع القطيف 5.1 أجزاء بالألف فقط.
لكن المفارقة أن انخفاض ملوحة المياه في موقع القطيف لم يقابله انخفاض مماثل في الأملاح المتراكمة بالتربة، إذ سجلت التربة فيه توصيلاً كهربائياً مرتفعاً بلغ 84.3 ديسيسيمنز لكل متر، مقابل 86.9 في صفوى، وهما أعلى الموقعين في هذا المؤشر.
وتشير هذه النتائج إلى أن الظروف التي تنمو فيها أشجار المنغروف قد تختلف بصورة ملحوظة بين مواقع متقاربة جغرافياً، وأن انخفاض ملوحة المياه المحيطة بالأشجار لا يعني بالضرورة انخفاض تراكم الأملاح في منطقة الجذور.

27 مركباً كيميائياً
وفي الجانب الكيميائي، رصدت الباحثة 27 مركباً في مستخلصات أوراق المنغروف، باستخدام تحاليل مخبرية متخصصة للكشف عن المواد الموجودة في النباتات.
وأظهرت النتائج وجود مركبات مشتركة بين الأشجار في المواقع الأربعة، إلى جانب اختلافات في وجود بعض المركبات ونسبها من موقع إلى آخر.
ومن أبرز النتائج ارتفاع نسبة بعض المركبات في تاروت، وظهور مركبات أخرى بنسب أكبر في سيهات والقطيف، بينما انفردت عينة صفوى برصد مركبات لم تظهر في العينات الأخرى، من بينها أحد أشكال فيتامين «هـ» وحمض الغاليك.
وتكتسب هذه النتيجة أهميتها من ارتباط المركبات النباتية بالعمليات الحيوية التي تساعد النباتات على التعامل مع الظروف البيئية المختلفة، ومنها الملوحة والضغوط المحيطة بها.
غير أن الدراسة لم تثبت أن كل اختلاف كيميائي ناتج مباشرة عن عامل بيئي محدد، بل قدمت مؤشرات أولية تستدعي مزيداً من الأبحاث لفهم العلاقة بين ظروف المواقع وتركيب النباتات.

12 شجرة تحت التحليل
وكان الجانب الوراثي من أبرز محاور البحث، إذ حللت الباحثة المادة الوراثية لـ12 شجرة منغروف، بواقع 3 أشجار من كل موقع، باستخدام مؤشرات وراثية للمقارنة بين المجموعات النباتية.
وأظهرت التحاليل وجود تنوع وراثي متوسط، إلى جانب اختلافات بين المجموعات الأربع، رغم انتمائها جميعاً إلى النوع النباتي نفسه.
وأشارت إحدى المقارنات الوراثية إلى تقارب أشجار تاروت وسيهات، مع ظهور صفوى في فرع منفصل قريب منهما، بينما بدت مجموعة القطيف الأكثر تمايزاً في ذلك التحليل.
كما أظهرت دراسة جزء من المادة الوراثية الموجودة في البلاستيدات الخضراء اختلافات محدودة، وقدمت صورة أخرى للعلاقات بين المجموعات، إذ تقاربت تاروت وصفوى في هذا التحليل.
وتعني هذه النتائج أن أشجار المنغروف في المواقع الأربعة لا تمثل بالضرورة مجموعة وراثية متجانسة تماماً، وإنما تضم مجموعات محلية لها خصائص متمايزة، مع ضرورة التعامل مع هذه النتائج بوصفها أولية نظراً إلى محدودية عدد الأشجار التي شملها التحليل.
التشجير ليس واحداً
وتبرز القيمة العملية للدراسة في ما يمكن أن تقدمه لجهود المحافظة على أشجار المنغروف واستعادة الغطاء النباتي الساحلي.
فقد خلصت الباحثة إلى أن التعامل مع تجمعات المنغروف باعتبارها وحدات محلية متمايزة قد يكون أكثر ملاءمة من التعامل معها بوصفها مورداً نباتياً متجانساً.
وتدعم النتائج أهمية مراعاة الظروف البيئية والخصائص الوراثية للمواقع عند التخطيط لبرامج الحماية وإعادة الاستزراع، بما في ذلك دراسة مدى ملاءمة مصادر الشتلات للمواقع المستهدفة.
ولا تعني هذه النتيجة أن نقل الشتلات بين المواقع الأربعة ثبت أنه ضار، وإنما أن اختيار مصادر الشتلات يحتاج إلى معرفة علمية أدق، بدلاً من افتراض تشابه جميع المواقع.

حدود الدراسة
ورغم أهمية النتائج، فإن الدراسة لم تتناول التغير التاريخي في مساحات غابات المنغروف بمحافظة القطيف، ولم تقدم إحصاءات عن المساحات التي فقدتها أو اكتسبتها هذه الأشجار خلال السنوات الماضية.
كما أن تحاليل المياه والتربة اعتمدت على عينة مركبة واحدة لكل موقع، أُجريت عليها قياسات مخبرية مكررة، وهو ما يجعل المقارنات البيئية وصفية واستكشافية، ولا يسمح باعتبار جميع الفروق المرصودة نتائج إحصائية نهائية.
وينطبق التحفظ نفسه على المقارنات الكيميائية التي اعتمدت على مستخلص نباتي مركب واحد لكل موقع، فيما استند التحليل الوراثي إلى عدد محدود من الأشجار.
وتبقى الدراسة خطوة علمية لفهم التنوع المحلي للمنغروف، وتحديد الأسئلة التي تحتاج إلى دراسات أوسع قبل تحويل النتائج إلى قرارات تنفيذية في مشاريع التشجير.
حماية المنغروف
وتؤدي أشجار المنغروف أدواراً بيئية مهمة في المناطق الساحلية؛ فهي تساعد على تثبيت الرواسب وحماية الشواطئ، وتوفر موائل للكائنات البحرية ومناطق حضانة للأسماك واللافقاريات، وتسهم في تخزين الكربون.
وتضيف الدراسة الجديدة بُعداً آخر إلى أهمية هذه الأشجار في القطيف، يتمثل في أن المحافظة عليها لا ترتبط بعدد الأشجار ومساحاتها وحدهما، بل تشمل أيضاً حماية تنوعها الوراثي وخصائصها المحلية.
⸻
بطاقة البحث
عنوان الدراسة الأصلي:
Integrated environmental, phytochemical, and genetic assessment of Avicennia marina populations along the Arabian Gulf coast of eastern Saudi Arabia
الباحثة: عائشة س. الشمري.
الجهة العلمية: قسم الأحياء بكلية العلوم ومركز البحوث العلمية الأساسية والتطبيقية، جامعة الإمام عبدالرحمن بن فيصل.
المجلة: BMC Plant Biology.
الناشر: Springer Nature.
تاريخ النشر: 27 يوليو 2026.
المجلد: 26، المقال رقم 1381.
المعرّف العلمي (DOI): 10.1186/s12870-026-09607-2.



