القرآن أولاً 23 | المؤيدات للربا القرآني

الشيخ علي الفرج
ذكرنا في الحلقة السابقة أنّ فقهاء الإمامية قسّموا الربا المحرَّم إلى قسمين رئيسين:
الأوّل: ربا القرض: وهو أن يُقرض شخصٌ آخرَ مالًا، ويشترط عليه ردَّ مبلغٍ زائدٍ على أصل القرض؛ كأن يُقرضه ألف ريال على أن يردَّها ألفًا ومئة ريال.
الثاني: ربا البيع (ربا المعاوضة): وهو الربا الواقع في البيع والمبادلة بين الأموال التي تتحقّق فيها شروط الربا؛ كأن يبيع شخصٌ كيلوغرامًا من الحنطة بكيلوغرامين منها، مع تحقّق شروط الربا في المعاملة.
أمّا مرجعية القرآن، فترى أنّ الحرمة القرآنية تتعلّق بربا القرض والدَّين القائم على الزيادة، وأمّا ربا المعاوضة فلا تثبت حرمته بالقرآن، وإن وردت في شأنه روايات متعدّدة عبّرت عن الكراهة.
وهنا يبرز السؤال الأساس: ما المؤيّدات القرآنية لاختصاص الحرمة بربا القرض والدَّين؟ وما القرائن التي يُستند إليها في عدم شمول هذه الحرمة للبيع الربوي، مع أنّ الفقه الإمامي يُدرجه ضمن أقسام الربا المحرَّم؟
والجواب يتضمّن خمس قرائن وتأمّلات:
أوّلًا:
إنّ الآيات القرآنية التي تناولت الربا في سياق تشريعي مفصّل تربطه برؤوس الأموال والزيادة المستحقّة للدائن أو المقترض، ومن أبرزها قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ (البقرة: ٢٧٨–٢٧٩).
وجه الاستدلال:
١ – قوله تعالى: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾، يدلّ على وجود مقدار من الربا لا يزال باقيًا في ذمّة المدين أو مستحقًّا للدائن، وهو ما يتلاءم مع الزيادة المترتّبة على الدَّين مثلاً.
٢ – قوله تعالى: ﴿فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾، يحدّد حقّ الدائن بأصل ماله، وينفي استحقاق الزيادة الربوية عليه.
٣ – قوله تعالى: ﴿لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾، يؤكّد منع أخذ الزيادة على رأس المال، مع حفظ حقّ الدائن في استرداد أصل ماله.
وهذه القرائن تجعل ربا القرض والدَّين أقرب مصاديق الربا الذي تعالجه الآيات في هذا السياق، وتؤيّد اختصاص الحرمة القرآنية به.
ومن الآيات ذات الصلة قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (البقرة: ٢٧٥). إنّ مقابلة البيع بالربا في الآية، مع اختلاف حكمهما، تدعو إلى التمييز بينهما، وعدم إدخال البيع في الربا المحرَّم.
ثانيًا:
قد يُقال: إنّ المراد بقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ هو إخراج البيع الربوي من عموم البيع الحلال؛ لأنّ البيع الذي تتحقّق فيه شروط الربا يكون محرّمًا أو باطلًا شرعًا، فيكون المراد إحلال البيع غير الربوي وتحريم البيع الربوي.
والجواب: إنّ هذا الاحتمال يحتاج إلى دليل يثبت شمول الربا المحرَّم في الآية لربا المعاوضة؛ فالآية تحكي عن قولهم: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾، ثمّ تردّ عليهم بقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾، فتُميّز بين البيع والربا في الحكم، وتدعو إلى التمييز بين عنوانيهما.
ويُلاحظ أنّ التعبير القرآني جاء بلفظ «مِثْلُ»، ولم يرد بلفظ «إنّما البيع هو الربا» أو «إنّما البيع بعض الربا». وهذا التعبير يؤيّد أنّ البحث يتعلّق بالمماثلة بين عنوانين، لا باتحادهما بالضرورة.
ثالثًا:
من المؤيّدات التي يُستدلّ بها على طبيعة الربا القرآني مقابلة الربا بالصدقات والإنفاق في سبيل الله؛ قال تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ (البقرة: ٢٧٦).
وقال تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ (الروم: ٣٩).
وجه الاستدلال:
تُقابل الآيتان بين الربا والصدقة؛ إذ يظهر هذا التقابل بوضوح في القرض الذي يُقدَّم للمحتاج بقصد الإحسان، ثم تُشترط عليه زيادة تعود بالنفع على المُقرِض. أمّا ربا المعاوضة، كبيع الذهب بالذهب مع التفاضل، فلا تظهر فيه جهة الإحسان والحاجة بالوضوح نفسه.
وقد أشار العلّامة الطباطبائي في الميزان إلى مقابلة الربا بالصدقة، وهي الآية ٢٧٦ من سورة البقرة: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾.
رابعًا:
توجد في الروايات قرائن تؤيّد ارتباط الربا المحرَّم بالقرض، وتُبرز أنّ من حكم تحريمه المحافظة على الإحسان وقضاء حوائج المحتاجين، ومنع تحوّل القرض من وسيلة للإحسان إلى وسيلة لاكتساب الربح على حساب المقترض.
الرواية الأولى: روى الشيخ الصدوق عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام: «إِنَّمَا حَرَّمَ اللَّهُ الرِّبَا كَيْلَا يَمْتَنِعُوا مِنْ صَنَائِعِ الْمَعْرُوفِ».
الرواية الثانية: وروى عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام: «إِنَّمَا حَرَّمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الرِّبَا لِئَلَّا يَذْهَبَ الْمَعْرُوفُ».
الرواية الثالثة: روى الشيخ الصدوق عن هشام بن الحكم، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن علّة تحريم الربا، فقال: «إِنَّهُ لَوْ كَانَ الرِّبَا حَلَالًا لَتَرَكَ النَّاسُ التِّجَارَاتِ وَمَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ، فَحَرَّمَ اللَّهُ الرِّبَا لِتَنْفِرَ النَّاسُ مِنَ الْحَرَامِ إِلَى الْحَلَالِ، وَإِلَى التِّجَارَاتِ، وَإِلَى الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، فَيَبْقَى ذَلِكَ بَيْنَهُمْ فِي الْقَرْضِ». من لا يحضره الفقيه، ج ٣، ص ٣٧١ . وعلل الشرائع، ج ٢، ص ٤٨٢.
التعليق:
إنّ تعليل تحريم الربا بصيانة الإحسان وصنائع المعروف يوجّه النظر إلى القرض المشروط بزيادة؛ إذ تؤدّي ربحيّته إلى إضعاف الدافع إلى إقراض المحتاج.
أمّا مبادلة الذهب بالذهب مع التفاضل، أو مبادلة بعض الأموال المتجانسة مع الزيادة، فلا تظهر فيها علّة منع الإحسان وقضاء حوائج.
خامسًا:
من المؤيّدات التي تستحقّ البحث ورود التعبير بالكراهة في عدد من روايات مبادلة الأموال المتجانسة مع التفاضل، فبضها:
الرواية الأولى: عن سيف التمّار، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام، في مبادلة التمر، قال:؛«هَذَا مَكْرُوهٌ»، ثم قال: «وَلَمْ يَكُنْ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَكْرَهُ الْحَلَالَ».
الرواية الثانية: صحيحة الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: «وَيُكْرَهُ قَفِيزُ لَوْزٍ بِقَفِيزَيْنِ، وَقَفِيزُ تَمْرٍ بِقَفِيزَيْنِ».
الرواية الثالثة: عن عبد الله بن سنان، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: «كَانَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَكْرَهُ أَنْ يَسْتَبْدِلَ وَسْقًا مِنْ تَمْرِ خَيْبَرَ بِوَسْقَيْنِ مِنْ تَمْرِ الْمَدِينَةِ، لِأَنَّ تَمْرَ خَيْبَرَ أَجْوَدُهُمَا». الكافي، ج ٥، ص ١٨٨؛ وتهذيب الأحكام، ج ٧، ص ٩٧.
إنّ التعبير بالكراهة في هذه الروايات يفتح احتمال إرادة الكراهة في مقابل الحرمة، وهو استعمال وارد في عدد من روايات أهل البيت عليهم السلام.
تنبيه:
من الشواهد الجديرة بالبحث ما يُنقل عن الشيخ حسن الجواهري (حفظه الله) في التفريق بين ربا البيع وربا القرض من جهة الحيلة الشرعية؛ إذ يمكن إجراء بعض المعاملات الصحيحة شرعًا في ربا البيع للتخلّص من محذور الربا، في حين لا يصحّ اتخاذ الحيلة وسيلةً لتصحيح القرض المشروط بزيادة محرّمة.
ويقوم هذا التفريق على أنّ ربا القرض قد يؤدّي إلى الإفساد الاجتماعي باستغلال حاجة المقترض، بخلاف ربا البيع الذي لا تتحقّق فيه هذه العلّة بالضرورة.
وهذا كلام مهمّ يستحق التأمل، لكن وفق مرجعية القرآن، عدم ثبوت حرمة ربا المعاوضة قرآنيًّا يعني الحاجة إلى دليل قرآني لإثباتها. فإذا لم تثبت الحرمة، وظَهرت الروايات في الكراهة بعد إحراز دلالتها، أمكن القول بالكراهة، دون الاستناد إلى الحيلة الشرعية لاستثناء بعض المعاملات من حرمة مفترضة.
وسنتناول الحِيَل الشرعية في الحلقة القادمة إن شاء الله.



