الثلاثاء 20 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

نجيبة هاشم تكتب وجع الإنسان في «مآقٍ رمادية»

صُبرةالثلاثاء 20 أكتوبر 2026، 7:46 م
نجيبة هاشم تكتب وجع الإنسان في «مآقٍ رمادية»

القطيف: معصومة المقرقش

من التفاصيل التي تعبر الحياة اليومية، بما تنطوي عليه من خذلان وفقد وحنين وانكسارات صامتة، تستمد نجيبة هاشم عوالم مجموعتها القصصية الجديدة «مآقٍ رمادية»، مستنطقةً ما يختبئ وراء الوجوه من حكايات، وما تستبقيه الذاكرة من مشاعر عصية على النسيان، في أربعة عشر نصًا قصصيًا تتقاطع فيها التجربة الفردية مع الوجع الإنساني المشترك.

وتنطلق هاشم في مجموعتها من مشاهد نسمع عنها أو نقرأها أو نعايشها، لتعيد تشكيلها في فضاءات سردية تتداخل فيها الحقيقة مع الخيال، وتتخذ فيها الشخصيات من تجاربها الخاصة مرآةً ترى من خلالها العالم، بما يحمله من تناقضات وتحولات وخيبات.

دموع كساها الرماد

يحمل عنوان «مآقٍ رمادية» مفتاحًا دلاليًا لعالم المجموعة؛ فالمآقي، بوصفها مواضع الدمع في العيون، تستحضر لدى هاشم دموعًا تراكم عليها رماد السنين والهجر والخيانة، حتى غدت شاهدًا على تجارب تركت آثارها العميقة في النفس.

أما الرمادي، فلا يحضر بوصفه لونًا فحسب، بل باعتباره مساحة ملتبسة بين الحقيقة والخيال، وبين ما وقع بالفعل وما أعادت الذاكرة تشكيله، حيث تتعدد زوايا النظر إلى الحدث الواحد، وتختلف دلالاته باختلاف الشخصيات وتجاربها.

وتوضح هاشم أن لكل قصة دمعتها الخاصة، غير أن بعض الدموع تبقى حبيسة المآقي، لا تجد سبيلًا إلى الانهمار، وكأنها تختزن من الألم ما تعجز العين عن إظهاره واللغة عن الإفصاح عنه.

ومن هذا التصور، تكتسب المجموعة بعدها الوجداني؛ فالكتابة لدى هاشم ليست مجرد استعادة للحكايات، وإنما محاولة لملامسة ما استقر في أعماق أصحابها من مشاعر، وإتاحة صوت لما ظل طويلًا في دائرة الصمت.

ولا تفصل هاشم تجربتها الشخصية عن هذا العالم؛ إذ ترى في الكتاب مساحة للبوح بشجنها الخاص، قبل أن تترك للقارئ حرية اكتشاف ما يشبهه في مصائر الشخصيات، وما يوقظ في ذاكرته شيئًا من تجاربه ومشاعره.

14 حكاية

تضم المجموعة أربعة عشر نصًا قصصيًا، تتوزع على عناوين تحمل في ذاتها إشارات إلى تنوع العوالم والشخصيات والمواقف الإنسانية، وهي: «نصف وجه.. ونصف لحية بيضاء»، و«العباءة المستعارة»، و«وجه لظهر»، و«يقين مرجف»، و«صوت وصورة»، و«سيدة المطار»، و«أوطان بديلة»، و«المشهد الأخير»، و«القرية النائية»، و«حب بمذاق الأبيض والأسود»، و«وشائج»، و«المريضة رقم خمسة»، و«عينان تسمعان»، و«أكثر من مؤهلات».

ومن بين هذه النصوص، تحتفظ قصة «وشائج» بمكانة خاصة في وجدان هاشم، إذ تعدها الأقرب إلى قلبها، لما تنطوي عليه من مشاعر صادقة تجاه النخلة والأرض، وما تحمله هذه العلاقة من امتدادات وجدانية تتجاوز المكان بوصفه جغرافيا، إلى المكان بوصفه ذاكرة وانتماءً وجذورًا.

وتكشف هذه الصلة عن أحد الملامح الإنسانية في تجربة هاشم، حيث لا تنفصل الأشياء المألوفة عن معانيها العميقة، ولا تبدو الأرض مجرد مسرح للأحداث، بل تتحول إلى وعاء للذاكرة، تتراكم فيه مشاعر الألفة والفقد والحنين.

وتتسع موضوعات المجموعة لتلامس علاقات الإنسان بذاته وبالآخرين، وما يعتري تلك العلاقات من تحولات وتصدعات، في نصوص تستمد مادتها من الواقع، وتعيد بناءها ضمن رؤية سردية تستكشف الأثر النفسي للأحداث أكثر من انشغالها بالحدث في صورته المجردة.

ثلاث سنوات من الانتظار

وتأتي «مآقٍ رمادية» بوصفها الإصدار القصصي الثاني لنجيبة هاشم، بعد مجموعتها الأولى «غريب يشاركني السكنى»، الصادرة عن دار الأدب العربي، لتواصل من خلالها اشتغالها على الحكاية الإنسانية وما تختزنه من توترات ومشاعر وتجارب.

غير أن وصول المجموعة الجديدة إلى القراء لم يكن يسيرًا؛ إذ تكشف هاشم أن الكتاب بقي لدى إحدى دور النشر ثلاثة أعوام، قبل أن تتمكن من إصداره عبر دار إبهار القلم، فيما لا تزال القضية المرتبطة بتجربتها مع دار النشر السابقة منظورة أمام القضاء، وفقًا لروايتها.

ويمتد الإصدار الجديد على 117 صفحة، تحتضن نصوصًا تتفاوت في موضوعاتها وشخصياتها، وتلتقي عند انشغالها بما تتركه الحياة في النفس من آثار، وبما تنطوي عليه التجارب العادية، في ظاهرها، من تعقيدات إنسانية عميقة.

وفي «مآقٍ رمادية»، تبدو الدموع أكثر من استجابة للحزن؛ إنها استعارة لما لا يُقال، وللذكريات التي تواصل حضورها رغم انقضاء أسبابها، وللمشاعر التي تعيش في المسافة الفاصلة بين البوح والكتمان.

ومن هذه المسافة تحديدًا، تنسج نجيبة هاشم حكاياتها، محاولةً أن تمنح الوجع الإنساني لغة، وأن تفتح في الذاكرة نوافذ تطل منها وجوه وتجارب قد تختلف في تفاصيلها، لكنها تتشابه في حاجتها إلى أن تُروى وتُفهم.