وثيقة أكاديمية في 1965: 157 عيناً تسقي نخيل القطيف من مياه جبل طويق

القطيف: صُبرة
قبل أن يخرج الماء من عيون القطيف، ويسلك السواقي بين النخيل، كانت له رحلة طويلة في باطن الجزيرة العربية.
من منطقة جبل طويق، تتسرب المياه إلى الطبقات الصخرية الحاملة لها، ثم تتحرك شرقاً حتى تصل إلى واحة القطيف على ساحل الخليج، قاطعة مسافة تقدر بنحو 300 ميل، أي قرابة 480 كيلومتراً.

وقدّر الجغرافي الأمريكي تشارلز هـ. ف. إيبرت زمن هذه الرحلة بنحو 18 ألف سنة، وبنى تقديره على معدل لحركة المياه الجوفية قدره قسم الاستكشاف في أرامكو بنحو 0.21 قدم يومياً، مع الإشارة إلى أن هذا المعدل تقريبي وقابل للتفاوت.
وترد هذه التفاصيل في دراسة حصلت عليها «صُبرة» من الأرشيف الرقمي لجامعة أريزونا الأمريكية، بعنوان «الموارد المائية واستخدامات الأراضي في واحة القطيف بالمملكة العربية السعودية» Water Resources and Land Use in the Qaṭīf Oasis of Saudi Arabia.

وأعد الدراسة إيبرت، ونشرتها مجلة Geographical Review في أكتوبر 1965، في المجلد 55، العدد الرابع، من الصفحة 496 إلى 509.
وأُنجز البحث بدعم من جامعة ولاية نيويورك في بوفالو عام 1963، وشمل عملاً ميدانياً في المنطقة الشرقية، إلى جانب بيانات جيولوجية ومناخية أتاحت مكاتب أرامكو بعضها للباحث.

157 عيناً
رسم إيبرت صورة لواحة تتدفق فيها المياه من عشرات العيون، وتتفرع منها قنوات الري بين بساتين النخيل.
وسجل في نطاق الواحة 100 عين دائمة و7 عيون متقطعة، ثم ذكر 50 عيناً أخرى تغذي صفوى والأوجام، ليصل مجموع العيون التي أحصتها الدراسة في نطاق القطيف الأوسع إلى 157 عيناً.

وكانت هذه المياه أساس حياة مجتمع قدر الباحث عدده بنحو 50 ألف نسمة، بينهم قرابة 10 آلاف نسمة في مدينة القطيف.
ووصف الواحة بأنها تمتد على مساحة تقارب 20 ميلاً مربعاً، بطول نحو 9 أميال بمحاذاة خليج تاروت، ونحو ميلين باتجاه الداخل. وذكر ضمن تجمعاتها عنك وسيهات والعوامية والقديح والجش وأم الحمام.

40.5 كيلومتراً مربعاً
قدّر إيبرت الأراضي المروية في الواحة بنحو 10 آلاف أكر، تعادل قرابة 40.5 كيلومتراً مربعاً، فيما بلغ متوسط الحيازة الزراعية نحو أكرين، وتخللت الأراضي شبكة من قنوات الري.
وشغل النخيل 90% على الأقل من الأراضي المروية، فيما استحوذ البرسيم على نحو 9%، وتوزعت المساحة الباقية على الخضراوات.
ووصف إيبرت واحة القطيف بأنها تضم أكثر الأراضي المروية استخداماً بكثافة على الساحل السعودي للخليج، وربط مكانتها الزراعية بوفرة مياه الطبقات الجوفية واستواء الأرض.

الماء على عمق قدمين
وتكشف مشاهدات إيبرت مقدار وفرة الماء تحت الأرض.
ففي بعض الحقول سجل منسوب المياه الجوفية على عمق يبلغ في المتوسط نحو قدمين فقط، أي قرابة 60 سنتيمتراً من سطح الأرض.
وسمحت ظروف الري بإنتاج حشة واحدة على الأقل من البرسيم كل شهر، وكان معظم المحصول يقدم طازجاً علفاً للماعز والحمير.
لكن هذه الوفرة حملت معها مفارقة كبيرة.
3 أرباع الماء تضيع
قدّر إيبرت أن الواحة كانت تستفيد من ربع المياه تقريباً، فيما يتجه الباقي إلى السبخات والرمال أو يضيع بالتسرب والتبخر.
وفي خاتمة الدراسة قدّر أن ما يصل إلى ثلاثة أرباع مياه الآبار كان يضيع بالتبخر أو التسرب أو الاستخدام المهدِر.
وبهذا تحولت وفرة الماء نفسها إلى تحدٍ أمام الواحة.

الماء يملّح الأرض
أسهم الري مع ضعف الصرف في رفع منسوب المياه الجوفية في بعض المواقع إلى 3 أو 4 أقدام من سطح الأرض، وأحياناً إلى مسافة أقرب. ومع التبخر تتجمع الأملاح في التربة وتصل إلى منطقة الجذور، فتتراجع قدرتها على الإنتاج الزراعي.
وسجل إيبرت نجاح المصارف العميقة في استعادة أراض أصابتها الملوحة الشديدة، وإنقاذ بساتين نخيل من التدهور.
وكانت مشكلة الصرف قد دخلت دائرة الاهتمام قبل دراسة إيبرت بسنوات.
ففي 1955 أجرت أرامكو، بالتعاون مع الحكومة السعودية، مسحاً لأوضاع الصرف في واحة القطيف، بعدما أدى ارتفاع منسوب المياه الجوفية إلى خروج حقول كانت منتجة من دائرة الزراعة. وأظهر المسح إمكان تصريف المنطقة وجدواه الاقتصادية.
وبدأ تنفيذ مشروع الصرف في 1960، وتضمن شبكة من المصارف الرئيسة بلغ طولها نحو 40 ميلاً، أي قرابة 64 كيلومتراً.
75 قدماً في السنة
ومن باطن الأرض إلى سطحها، واجه نخيل القطيف خطراً آخر:
الرمال الزاحفة.
وأشار إيبرت إلى أن الكثبان العملاقة في المنطقة يمكن أن تتحرك مسافة تصل إلى 75 قدماً في السنة، أي نحو 23 متراً، مهددة الحقول والقرى الواقعة في طريقها.
ووثقت إحدى صور الدراسة الرمال المتقدمة نحو بساتين نخيل القطيف، فيما يصف تعليق الصورة البساتين بأنها كانت مهددة باستمرار بكتل الرمال الزاحفة.
واستخدمت أشجار الطرفاء مصدات بين قنوات الري والحقول لمواجهة حركة الرمال.
14 قدماً بين النخلتين
وسجل إيبرت تحدياً آخر داخل البستان نفسه: ازدحام النخيل.
فقد وجد أشجاراً لا تفصل بينها سوى نحو 14 قدماً، ورأى أن هذه الكثافة تؤثر في نمو النخيل وإنتاجه، فيما قدر المسافة المناسبة بما يتراوح بين 25 و40 قدماً.
وربط جانباً من المشكلة بصغر الحيازات الزراعية ورغبة أصحابها في زراعة أكبر عدد ممكن من النخيل.
وسجل إيبرت أيضاً ملاحظة تتجاوز الزراعة إلى علاقة الأهالي بالنخلة؛ إذ لاحظ ترددهم في إزالة الأشجار الزائدة، رغم إمكانية الاستفادة من جذوعها في البناء والأسوار والوقود.
وطرح الباحث تفسيراً شخصياً لذلك، متسائلاً عما إذا كانت الشجرة الحية، وسط البيئة الصحراوية، تبدو للإنسان شيئاً يكاد يكون مقدساً.
من هو إيبرت؟
كان تشارلز هـ. ف. إيبرت أستاذاً للجغرافيا ورئيساً لقسمها في جامعة ولاية نيويورك في بوفالو وقت نشر الدراسة.
وجمع بحثه عن القطيف بين العمل الميداني والبيانات الجيولوجية والمناخية التي حصل عليها من أرامكو، واستفاد كذلك من صور وفرتها الشركة لعدد من الظواهر التي تناولها.

وترك بذلك صورة رقمية وبصرية لواحة القطيف في أوائل الستينيات:
50 ألف نسمة، وقرابة 40.5 كيلومتراً مربعاً من الأراضي المروية، و90% منها للنخيل، و157 عيناً في نطاق القطيف الأوسع، ومياه غزيرة تجري تحت الأرض، فيما تواجه الواحة فوقها تحديات الملوحة والرمال.
أما قصة الماء فتبدأ على بعد مئات الأميال إلى الغرب.
من منطقة جبل طويق، يدخل الماء الطبقات الجوفية ويتحرك ببطء نحو الشرق.
نحو 300 ميل، ورحلة قدرها إيبرت بـ18 ألف سنة تحت الأرض؛ حتى يصل الماء إلى عيون القطيف، ومنها إلى السواقي، ثم إلى جذور النخيل.
وتوثيق النشر نفسه مستقل أيضاً: ففهرس Geographical Review يثبت وجود دراسة إيبرت في المجلد 55، العدد الرابع، أكتوبر 1965.



