تبحث عن وظيفة؟ واثق من كفاءتك؟.. أتراك تفهم لغة الخوارزميات؟

بثينة النصر
في سوق العمل الرقمي، لم يعد كافيًا أن تكون مؤهلًا؛ بل عليك أيضًا أن تفهم لغة الواقع الرقمي وخوارزمياته، حتى لا تضيع فرصك المهنية لأن الأنظمة لم تتعرف على كفاءتك.
لقد غيّرت التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي كثيرًا من آليات التوظيف، فلم تعد المؤهلات والخبرات تُعرض على المسؤولين عن التوظيف بالطرق التقليدية وحدها، بل أصبحت تمر، في بعض المؤسسات والمنصات، عبر أنظمة آلية تبحث عن مهارات محددة، وتقارن البيانات المهنية بمتطلبات الوظائف.
وهنا تبرز مفارقة تستحق التأمل: قد يمتلك شخص خبرات تمتد لعقود، ومؤهلات علمية تتوافق مع متطلبات منصب معين، ومع ذلك لا يتعرف نظام التقييم الرقمي على بعض كفاءاته، ليس لأنها غير موجودة، بل لأنه لم يعبّر عنها بالمفردات التي يستطيع النظام قراءتها وتفسيرها.
لنفترض أن شخصًا أمضى سنوات في إدارة العمليات التجارية، والتخطيط للمبيعات، ودراسة سلوك المستهلكين، لكنه لم يُدرج ضمن ملفه المهني مصطلحات مثل «إدارة علاقات العملاء» أو «تحليل سلوك المستهلك». قد لا تتعرف بعض أنظمة التقييم الرقمي على مدى توافق خبراته مع متطلبات وظيفة في الإدارة التجارية، رغم امتلاكه خبرة عملية وثيقة الصلة بها.
ولا يقتصر الأمر على التخصصات التجارية؛ ففي مجال العلوم الإنسانية والآداب، قد يمتلك متخصص خبرة طويلة في تحليل النصوص والبحث اللغوي والتحرير، دون أن يدرك أن بعض مهاراته تتقاطع مع متطلبات وظائف حديثة في تطوير المحتوى الرقمي أو تقييم المخرجات اللغوية للذكاء الاصطناعي. وحين تغيب عن ملفه المهني المصطلحات التي تعبّر عن هذه المهارات، قد لا تتعرف أنظمة التقييم على مدى ملاءمة خبراته لتلك الفرص.
وفي قطاع التعليم، قد تمتلك معلّمة خبرة طويلة في تصميم المناهج، وتقييم مستويات الطلاب، وتطوير أساليب التدريس، لكنها لا تُدرج في ملفها المهني مصطلحات مثل «التصميم التعليمي» (Instructional Design) أو «تطوير المحتوى التعليمي الرقمي». وقد يؤدي ذلك إلى عدم تعرف بعض أنظمة التقييم على مدى ارتباط مهاراتها بفرص العمل في شركات تقنيات التعليم ومنصات التعلم الإلكتروني، رغم امتلاكها خبرات يمكن توظيفها في تلك المجالات.
أما في الاقتصاد والعلوم الإدارية، فقد يتمتع متخصص بخبرة واسعة في التخطيط وتحليل البيانات وتقييم الأداء، لكنه لا يوضح الصلة بين تلك المعارف ومتطلبات الوظائف الحديثة التي تستخدم مصطلحات مثل مؤشرات الأداء الرئيسية (KPIs) أو تحليل العائد على الاستثمار (ROI). هنا لا تكمن المشكلة بالضرورة في نقص المعرفة، بل في طريقة تقديمها.
وفي المجال الإعلامي، قد تمتلك مذيعة خبرة طويلة في الإلقاء والتحكم بالنبرة والإيقاع والتعبير الصوتي، لكنها لا تدرك أن هذه المهارات تتيح لها أيضًا المنافسة على فرص في التعليق الصوتي (Voice-over)، والأداء التمثيلي الصوتي (Voice Acting)، ورواية الكتب الصوتية، بل وحتى تقييم جودة الأصوات المنتجة بالذكاء الاصطناعي. فإذا اقتصر ملفها المهني على مسمى «مذيعة»، دون إبراز مهاراتها الصوتية القابلة للتوظيف في مجالات أخرى، فقد لا تتعرف أنظمة التقييم الرقمي على مدى ملاءمتها لتلك الفرص.
هذه الأمثلة لا تعني أن الانتقال بين المجالات المهنية يتم بمجرد تغيير المصطلحات، أو أن المهارات المكتسبة في تخصص ما تكفي تلقائيًا لممارسة تخصص آخر؛ فقد تتطلب بعض الوظائف تدريبًا إضافيًا. لكنها تكشف أهمية إدراك المهارات القابلة للتوظيف في أكثر من مجال، والتعبير عنها بوضوح.
ومن المهم الإشارة إلى أن الأنظمة الرقمية ليست عاجزة دائمًا عن استنتاج المهارات من السياق، كما أن المؤسسات لا تستخدم جميعها آليات الفرز نفسها؛ فهذه الأنظمة تتفاوت في قدراتها ومعاييرها، ولا يمثل التقييم الآلي حكمًا نهائيًا على أهلية المرشح.
المسألة إذن ليست في كيفية إقناع الخوارزميات بأننا مؤهلون، بل في كيفية تمكينها من التعرف على مؤهلاتنا الحقيقية.
وهذا يتطلب وعيًا باللغة المهنية المتداولة في البيئة الرقمية، وفهمًا لطريقة توصيف المهارات والخبرات، دون مبالغة أو ادعاء.
أما إدراج مؤهلات أو مهارات غير حقيقية، فليس تحايلًا على الخوارزميات بقدر ما هو تحايل على الذات؛ إذ قد يفتح الطريق إلى مقابلة أو وظيفة لا يمتلك صاحبها مقومات أدائها، ليجد نفسه أمام مسؤوليات لا يستطيع الوفاء بها.
ومن جهة أخرى، تضع هذه التحولات مسؤولية على المؤسسات المطوّرة لأنظمة التوظيف والجهات المستخدمة لها، تتمثل في تحسين قدرتها على قراءة الخبرات المتنوعة، وعدم اختزال الكفاءة البشرية في تطابق المصطلحات وحده.
فالتطور التقني ينبغي أن يوسّع فرص الوصول إلى الكفاءات، لا أن يجعلها رهينة القدرة على اختيار الكلمات المفتاحية.
والوعي الرقمي اليوم لم يعد ترفًا معرفيًا، بل أصبح جزءًا من الوعي المهني، لا سيما لدى أصحاب الخبرات الطويلة الذين تشكّلت مسيراتهم قبل التحولات التقنية المتسارعة.
غير أن هذه الإشكالية لا تقتصر عليهم؛ فحديثو التخرج والباحثون عن فرصتهم الوظيفية الأولى يواجهون تحديًا مماثلًا. فقد يمتلك خريج جامعي مهارات اكتسبها من مشروعاته الدراسية أو تدريبه العملي أو أنشطته التطوعية، لكنه لا يحسن توصيفها بالمصطلحات المهنية التي تتعرف عليها أنظمة التقييم الرقمي.
وهكذا قد تغيب عن ملفه مهارات حقيقية في البحث والتحليل وإدارة المشروعات والعمل الجماعي، لا لافتقاره إليها، بل لعدم إدراكه أهمية إبرازها بلغة تتوافق مع متطلبات الوظيفة.
إن فهم لغة الخوارزميات لا يعني أن نعيد تشكيل هويتنا المهنية لإرضاء الأنظمة الرقمية، وإنما أن نُحسن تقديم ما نملكه فعلًا من معارف ومهارات وخبرات، بما يتيح لهذه الأنظمة قراءتها، ولأصحاب القرار تقييمها.
فكم من فرصة قد تضيع، لا لنقص الكفاءة، بل لأن صاحبها لم يتعلم بعد كيف يجعل مؤهلاته مرئية في عالم تقرؤه الخوارزميات!



