عبدالرسول شهاب.. النخلاوي الذي لم تُغيّره “الفلوس”

“يحترق بيتك في النهار.. ولكنك لن تبات إلا في بيتٍ جديدٍ، يبنيه لك أهل البلَد”.. بهذه الروح؛ عاش عبدرب الرسول شهاب 79 عاماً. وفي هذه الليلة؛ وصل معه السرطان إلى تفاهمٍ أخير، ورحل إلى الدار الآخرة، في إحدى مستشفيات العاصمة البريطانية، لندن.
“يحترق بيتك…” عبارة سمعتُها عن لسانه شخصياً. كان ذلك قبل 20 سنة من الآن. كان يخوض إحدى مخاطراته العالية في عالم الأعمال، مشروع استثمار “قلعة القطيف الترفيهية” على أرض المتنزه القديم، متزامناً مع مشروع لا يقلّ مخاطرة، هو إنشاء قصور الأفراح على أرض البستان المعروف بـ “القصمول”. كلا المشروعين، في وقتهما، كان مخاطرةً من النوع الذي لا يُقدم عليها إلا قارئاً مستقبلياً للسوق.
تأسست قلعة القطيف الترفيهية، عام 1998؛ ولم يكن في القطيف، كلها، أي مشروعٍ ترفيهي واحد. وأسس عبدالرسول شهاب قصور الأفراح لتكون الأولى على مستوى المحافظة. وكان يُمكن أن يحترق بيت شهاب “التجاري”، وتذهب موارد مصنع الخرسانة ومصنع الطابوق والألومنيوم في تمويل مشاريع لا مستقبل لها. بيد أن الزمن أثبت أن هذا الرجل الأمّي الذي لم يفكّ حرفاً طيلة حياته؛ أذكى وأعرف بالسوق من مئات الحاملين شهادات الاقتصاد والتجارة والمحاسبة والتسويق. هرول المستثمرون وراءه، وأسسوا مشاريع ترفيه وقصور أفراح واستراحات…!
لكنّ الأهمّ من كل هذا النجاح التجاري؛ هو المسؤولية الاجتماعية التي حملها، وكأنه واحد من “نخالْوةْ” البلد الذين كانوا يُسارعون إلى المشاركة في إعادة بناء كلّ بيتٍ يدهمه حادث حريق، في زمن النخيل.
“عبدالرسول”.. القادم من طينة “المِلْحان”، الذي لم يشم رائحة طبشور في حياته، الذي بدأ العمل، ضمن العائلة، وهو في سن السادسة، مؤدياً عمل الـ “اخْيالْ” في هشّ العصافير عن “ضواحي الزرع”، كما قال عن نفسه في لقاء صحافي.
الذي كان يحمل “خُضرةْ” نخل والده ليبيعها في الدمام، وهو في الثانية عشرة. الذي عمل في “قصّ” حجَر البحر ليحمّله على “قاري” حمار ويبيعه “بَنّاية” البيوت العربية. الذي تاجر في المواشي، والطابوق، والخرسانة الجاهزة، والألومنيوم، والعقار، والأسهم..
الذي غامر وخاطر، وربح وخسر، وصعد وهبط، ونجح وأُحبِط، وباع واشترى، وقال وفعل وراجع وتابع وتحدث وصمت.. الذي وصل إلى التاسعة والسبعين، محتفظاً بروح “النخلاوي”، مُغالباً السرطان في استقباله الناس والاستماع إلى شكاواهم، والسعي إلى إصلاح ما يمكن إصلاحه…!
الذي لا يخجلُ من سرد حقيقة بداياته، ويتحدث عنها بلا مواربة أو تحفّظ. الذي يعرف أن مكانته آتيةٌ من الناس.. الناس الذين كانوا معه وهو فقيرٌ مثلهم، الناس الذين لم يكبُر أو يتكبّر عليهم، الناس الذين سوف يشيعونه إلى ترابه يوماً ما.
الذي تجده في دواوين كبار المسؤولين وحسينيات الفقراء بالدرجة نفسها من الاحترام.
“عبدالرسول” الذي زار الأمراء والوزراء والمسؤولين في “فزعات” من أجل حاجات الناس، أكثر مما زارهم من أجل حاجات تجارته ووجاهته…!
الذي تعوّد مواجهة الخصوم والساخطين والغاضبين؛ بهدوءٍ حكيم، ولسان ليّن، وأخلاقٍ منضبطة بما يكفي لإشعارك بأن صاحب “السكسوكة” الخاصة تلميذُ معهدٍ عالٍ في الدبلوماسية.
الرجل الذي تتراكم وتصفرُّ فواتير عملائه، وهو “يطوّل باله” عليهم، ولا يُلحّ على محصّليه ليضغطوا على الناس إلا بالطريقة التي تراعي “المديون” و “ضعيف الحال”.
الرجل الذي يحسب، بدقة شديدة، كلّ قرشٍ يخرجُ من جيبه، ليُوضَع حيث يجب أن يُوضع، بلا بذخ، ولا استعراض كرم، ولا مبازاة بعطاء أو تبرع، أو “هياط”.
“عبدالرسول”.. النخلاوي الذي لم تُغيّره “الفلوس”.. وهذا يكفي.
حبيب محمود
مع أمين الشرقية المهندس فهد الجبير (المصدر: صحيفة الرأي الإليكترونية)
مع محافظ القطيف خالد الصفيان (المصدر: القديح 24)
مع الشيخ الصفار والمهندس نبيه إبراهيم (المصدر: موقع الشيخ الصفار)



