الثلاثاء 13 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

الحال والمآل الثقافي في القطيف

صُبرةالإثنين 13 يوليو 2020، 9:00 ص
الحال والمآل الثقافي في القطيف

محمد العباس

ما إن يُفتح الحديث حول واقع ومآل الثقافة في القطيف حتى تُستدعى زيارة عائشة عبدالرحمن (بنت الشاطىء) إلى المنطقة مطلع الخمسينيات من القرن الماضي كدليل على نهضة ثقافية مبكرة. وقد ظلت وما زالت زيارتها التاريخية تلك تُستذكر بشيء من التباهي والاعتداد بالمكان ورموزه الثقافية والروحية خصوصًا عندما كتبت “وقد رجعت الى مصر، أرى حقًا عليّ أن أنقل إلى قومي بعض أصداء ذلك اللقاء ليعلموا أن على ساحل الخليج في أقصى الشرق من جزيرة العرب علماء مجتهدين وأدباء موهوبين”. وهو ما أعطى لتلك الكتابة مفعول السحر في الأوساط الثقافية القطيفية، فهي شهادة من كاتبة شهيرة آنذاك. وهذا هو ما يفسر استمرار مفاعيلها إلى اليوم في مجتمع يعاني من إحساسه بأقلويته وهامشيته، ويبحث في التاريخ ما يقاتل به لإثبات جدارته الثقافية.

كتبتْ بنت الشاطئ أيضًا “كم تألمتُ وأنا أصغي إلى حديث أدباء القطيف عن معاركنا النقدية ومذاهبنا الفنية.. وكم خجلتُ وأنا أرى في أيديهم كتبنا ومجلاتنا نحن الذين لا نشعر بهم أو نلقي اليهم بالًا”. وهذه المقولة الذهبية بمنظور مثقفي القطيف بقدر ما تشير إلى عصرانيتهم في تلك اللحظة ومحايثتهم لما يُنشر عربيًا، تستبطن بُعدًا لا يخلو من السلبية حد التبعية، إذ تحيل المقولة إلى مجتمع ثقافي مستهلك لمنتجات الآخر، تمامًا كما كان يحدث في الحجاز الذي انقسم في مرحلة من المراحل إلى عقاديين وطه حسينيين. بمعنى أن المجتمع الثقافي القطيفي آنذاك لم يكن في طور الإنتاج المعرفي، بقدر ما كان صدى لما يُكتب في بغداد والقاهرة. وهذه جدلية تحتاج إلى فحص مجمل المنتج النصي والمعرفي للوقوف على جدلية التأثر في مجتمع ما زال يتكرس وجوده كهامش في كل مناحي الحياة، وليس كمركز لإنتاج الثقافة. فمنذ تلك الزيارة التي أرّخ بها أدباء القطيف مجدهم الثقافي لم يراكموا أي منتج معرفي أدبي يذكر، ولم يُسهموا بما يميزهم عن أدباء الوطن الذين كانوا يتقدمون في كل حقول المعرفة والأدب.

لكل مجتمع نصوصه الأدبية والسياسية والاجتماعية والدينية التي يبدعها أبناؤه لا تلك النصوص التي يستعيرها ويضعها في حيز الاستعمال. ومن يبحث في المجتمع القطيفي بمسح أفقي، أو بشكلٍ حفري عمودي، سيرتطم حتمًا بفراغ موحش، إذ لا ذات قيمة نوعية خلال مرحلة ما قبل الألفين الميلادية، بدليل الغياب شبه التام لمثقفي القطيف عن معركة الحداثة التي أشعلت الساحة الثقافية إبان الثمانينيات والتسعينيات، وتأخر صدور الروايات أيضًا مقارنة مع كان يحدث من انفجار روائي في مختلف أرجاء الوطن، وهو ما يؤشر إلى مجتمع بارد غير قادر على سرد نفسه مكانًا وإنسانًا، بتحليل كلود ليفي شتراوس. وكذلك التردد حد الامتناع عن اقتراف قصيدة النثر، التي تشكل فضاءً تعبيريًا على درجة من التلازم البنيوي مع نثرية الحياة وحداثتها. وكل هذه الارتباكات وغيرها صور التلكؤ، بقدر ما هي مظاهر لنكوصات أدبية هي أعراض لاعتقادات وأداءات ثقافية راكسة في التقليدية والمحافظة تحيل إلى وعي قروي يحكم مجمل عملية إنتاج النصوص.

منذ مطلع الثمانينيات من القرن الماضي، حيث الإعلان عن الصحوة الشيعية، دخل المجتمع القطيفي مرحلة انكفاء هوياتي داخلي. وعليه، تراجع الكُتّاب والأدباء إلى الوراء لصالح رجال الدين والوعاظ، وبهذا تم الاستحواذ على الخطاب الثقافي وصودرت كل أدوات الإنتاج المعرفي الأدبي لصالح المنابر الدينية. وفي ظل ذلك الطقس الكهنوتي القاتم لم يعد بمقدور أي كاتب أن يحظى بمكانة أدبية أو اجتماعية ما لم يكرّس خطابه للولائيات، وعلى أقل تقدير الرومانسيات. كذلك كان المجتمع الثقافي القطيفي بشكل شبه تام يبني استراتيجياته الثقافية وفق رؤية أقليمية ضيقة لا تتقاطع مع الرؤى الوطنية ولا تتسق مع ما كان يُطرح من قضايا ثقافية منفتحة على كافة الخطابات، بسبب سطوة الطائفة وارتباط الثقافي بالاجتماعي والسياسي. وهذا هو ما يفسر غياب هاجس الحداثة الأدبية، ومراوحة المثقف القطيفي في المربع الأول لكل ما هو تقليدي ومحافظ من الوجهة الثقافية.

ومن جانب آخر كان المجتمع القطيفي يزدري العلوم الإنسانية كتخصصات أكاديمية مقابل حالات نبوغ صريحة في مختلف التخصصات العلمية. وهذا بطبيعة الحال ناتج عن منظومة عوامل يأتي في مقدمتها الخوف الأقلوي من المستقبل والرغبة في تأمين الضمان المهني. وهو منحى أفقد المجتمع القدرة على إنتاج النصوص والمعارف، حيث أوكلت المهمة لمنابر الوعظ والخطابة. وهذا هو ما يفسر وجود كوكبة لافتة من المصرفيين والأطباء والمهندسين والإداريين، مقابل وجود لا يكاد يُذكر من المسرحيين والإعلاميين والنقاد والفنانين. الأمر الذي أسبغ على المجتمع هوية مظهرية محافظة، وهي هوية مزيفة بطبيعة الحال لأن مفاعيل المجتمع الثقافية والمهنية كانت متوارية وراء حجاب كثيف لا يسمح إلا بظهور الذوات التقليدية. حيث لم يكن المسرح يتسع لبروز التكنوقراط في ظل سطوة رجال الدين.

خلال فترة الغياب تلك لم يكن المجتمع الثقافي القطيفي صامتًا تمامًا، فقد كُتبت الروايات والنصوص المفتوحة وقصائد النثر ورُسمت اللوحات المنفتحة على الأساليب الحديثة، وظهرت بعض النصوص المسرحية المتجاوزة، إلى أن انفتح المشهد باتساعه مع بداية الألفين الميلادية، مع طرقات ومهبات العولمة، حيث تكثّرت النصوص بمختلف الاتجاهات، واحتلت اللوحة الحديثة مكانة متقدمة، وتفجرت قدرات الشباب المسرحية والسينمائية، وبذلك انمسحت الحدود ما بين مثقفي القطيف ومثقفي الوطن، حيث سقط رهاب (الآخر) من خلال جيل جديد قادر على الإنتاج والتجديد. وإن كان كل ذلك لا يعني هزيمة كل التحديات، فما زال معظم مثقفي القطيف يئنون تحت وطأة طقس المحافظة وديننة الوعي، ويعانون أكثر من عدم القدرة على تحقيق نصاب أدبي يلفت نظر الآخر ويحقق معادلة إنتاج وتوطين الرموز الثقافية على الرغم من وفرة الإنتاج التي لم تتحول بعد إلى قيمة نوعية.

بلدات:القطيف