لنا وعلينا.. شيعة وسنة

حبيب محمود
أي متتبّع لوسائل التعبير المتاحة في المملكة؛ قد يتفق معي في ملاحظة عابرة؛ هي تراجع المحتوى المسيء إلى الطائفة الشيعية، إلى حدّ يكاد يلامس الصفر، إن لم يكن صفراً في الواقع.
تلك التشنيعات، والتهويلات، والإقصاءات، وسائر مواد المعجم الطائفي البغيض؛ اختفى تقريباً. ونحمد الله على اختفائه، عن المواطنين الشيعة، وعن سائر المواطنين، من أي طيف كانوا، ومن أي منبت من بلادنا نبتوا..!
واقع الأمر؛ هو أن معاجم كثيرة اختفت. معاجم طائفية، وإقليمية، وعرقية، وقبلية. واختفت “نكات” كانت تضحك من فئات ومناطق ومجموعات بشرية.
لماذا اختفت..؟
لأن هناك تحوّلات متسارعة في بلادنا، على مستوى التشريعات الوطنية، والآليات، ولوائح المتابعة والرصد والمحاسبة، في هذا الصدد بالذات.
نظام مكافحة الجرائم الإلكترونية واحدٌ من أهمّ الإنجازات التي شهدتها التشريعات الوطنية. وأقول “وطنية”؛ لأن هذا النظام أمّن وسائل كثيرة للحماية، وأطفأ التجاوزات وشهوات الإيذاء والتنمّر والابتزاز، والتدخُّل في خصوصيات الآخرين، وتعميم الاتهامات.
نحن ـ المواطنين الشيعة ـ استفدنا كثيراً من هذا النظام، بل إن كلّ المواطنين السعوديين استفادوا منه. وعلينا جميعاً ـ كمواطنين ـ أن نفهم أن في التشريعات التي تشهدها بلادنا استكمالاتٍ مهمة لمزيد من مشاريع ترسيخ المواطنة، وجعلها أساساً لحياتنا على تراب هذا الوطن الكبير، بكلّ أطيافه وأقاليمه وأعراقه.
ونحن ـ المواطنين الشيعة تحديداً ـ علينا أن نفهم أن هذه التشريعات لنا وعلينا أيضاً. فاختفاء التجاوزات الطائفية أحدث تغييرات جذرية في اشكال التعبير والتواصل؛ ولكنه لا يعني أنه خاص بفئة دون أخرى، وأنه لحماية المواطنين الشيعة من الطائفيين الآخرين فحسب، بل لإرساء قيم المساواة في حق التفكير والتعبير أيضاً، وحق النشر، عبر أي منصبة متاحة، إلكترونية أم منبرية..!
وطننا لنا جميعاً؛ وإذا كنا ـ سابقاً ـ “نتحسس” من إيذاء الطائفيين؛ فإن من المنطق ومن النزاهة أن نلتفت إلى أن شركاءنا في المواطنة لديهم ـ أيضاً ـ “حساسياتهم” التي يجب أن نراعيها، مثلما ـ كنا ـ نطلب مراعاة حساسياتنا.
بهذا نخرج من صناديقنا المذهبية، ونعيش في وطننا متعايشين، يحترمُ كلّ منا ما لدى الآخر من إيمانٍ اقتنع به من طرقه، دون الخروج من دائرة الحرية العقَدية الخاصة والدخول في دائرة الآخر. نحن دوائر متجاورة، تحت سقف واحد؛ سقف الوطن.
الحياة في التاريخ لن تمنحنا شيئاً أكثر من حمل أثقاله على ظهورنا، والمستقبل أولى منه.. أولادنا وأحفادنا يستحقون أفضل مما مررنا به.



