أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

صومي مع السيستاني.. وأفطري مع فضل الله

صُبرةالجمعة 14 مايو 2021، 2:40 ص
صومي مع السيستاني.. وأفطري مع فضل الله

حبيب محمود

كان لي صديق لبناني من الطائفة الشيعية؛ حدثني عن والدته المسنّة في سياق نقاش عن الهلال. كانت والدته؛ تصوم مع السيد السيستاني، وتُفطر مع السيد فضل الله..!

أي أنها ـ جغرافياً ـ تصوم مع العراق، وتُفطر مع لبنان.

لو عادت والدة صديقي ـ الصحافي اللبناني ـ إلى صباها؛ لربما صامت وعيّدت حسب فُروض الجغرافيا، فهي لن تعرف ماذا يجري في العراق ـ وقتها ـ إلا بعد يوم أو يومين، ولن ترتبط أهلّة الشهور القمرية، عندها، إلا بالمكان الذي هي فيه. لكنّ والدة صديقي عاشت إلى زمنٍ تصل فيه “العطسة” من أقصى الأرض إلى أقصاها، بسرعة العطسة ذاتها..!

القصة ليست في الجغرافيا وحدها. ولا في زمن الاتصالات الذي يُشوّش كل شيء بتدفق معلوماتي لا يَرحم، ولا يُفهم. القصة في الذهنية “العامية” المضطربة، ووجود “جدار” بين هذه الذهنية والمرجعيات الفقهية من جهة، ووجود “جدران” بين كل مرجعية وأخرى، على أسس “علمية” من جهة أخرى، وليس من السهل على الذهنية العامية استيعابها..!

ارتجال والدة صديقي اللبنانيّ حالةٌ من حالات “الاضطراب”. ومن حولنا حالات اضطراب أكثر تعقيداً، وبعضها يصل إلى حدّ الطرافة أيضاً..!

شبّان أعرفهم؛ في شهر رمضان من العام الماضي؛ قرّروا أن “يقلدوا” السيد كمال الحيدري، ليس لأنهم من مدمني قناته في يوتيوب، وليس لأنهم مولعون بتحقيقاته العقَدية التي نبشت صفحات أمّهات الكتب؛ وأنتجت مفاهيم صادمة لكثيرين..

بل لسببٍ بسيطٍ؛ هو أنه قدّم حلّاً سهلاً في مسألة إثبات الأهلة..!

ولكم أن تنظروا من حولكم؛ فسوف تجدون جيلاً يفكّر بطرق أسرع ـ وأخطر ـ مما نتصور، ويتخذ قراراته دون الرجوع إلى “القواعد” التي نظنّ أننا رسّخناها فيه. جيل يتساءل بعقلانية صرفة لا تُجدي معها المفاهيم التي درجنا عليها. جيل يحتجُّ ـ علينا ـ بأسئلة كنا نُجيب عنها بمنطق “التسليم”، هروباً من صعوبتها..!

نحن مقتنعون بما نسمّيه “رحمة الاختلاف” و “المباني الفقيهة” و “تعدد المرجعيات”.. هذا ما صَلُبتْ أعوادنا عليه. لكن الأجيال الجديدة؛ لن يستمرّ لديها هذا المنطق بالضرورة. لسنا المربّين الوحيدين في عالمنا المعاصر، فما بالنا بالعالم القادم.

نحن مقتنعون بما صنعته القواعد القديمة لنا، وربما نموت عليها. لكن ليس من السهل إقناع شابّ في العشرين بصورة تظهر فيها صور 14 مرجعاً فقهياً ينتمون إلى مذهب فقهي واحد، ويستندون إلى مدرسة أصولية واحدة، وينتمون إلى محيط إقليمي واحد، ثم يكون يوم الخميس عيداً لدى 8 منهم، ويوم الجمعة عيداً لدى الـ 6 الآخرين..!

قبل عقود؛ كنا ـ في القطيف ـ نختلف بين هلالين على أساس مذهبي. قد يثبت الهلال لدى أخواننا السنة ولا يثبت لدينا؛ فنختلف. وكثيراً ما يحدث الاتفاق؛ فنتوحّد.

أما الآن؛ فإن اختلافنا يتشتّت أكثر ضمن المذهب الواحد. ومرّ أمس الخميس على بيوتٌ تحت سقفها الواحد صائمون و”مُعيّدون”..!

العوام رعية “روحية” للعلماء، وبما أن العوام ليس “من حقهم” الردّ على الفقهاء ولا التدخل في عملهم “العلمي”؛ فإن من حق “العوام” على العلماء؛ أن يحصلوا على الحلول التي وُجِد الفقه من أجلها. الفقه؛ وسيلة من وسائل إنتاج الحلول. لكن وعي الجيل الجديد يرى أن الفقه لم يُوجد حلاً لمعضلة سنوية..!

الأجيال الجديدة تفكّر بشكل مختلف عنّا نحن الجيل القديم، ولسوف تفكّر بشكل أشدّ جرأة وتعقيداً واحتجاجاً علينا وعلى العلماء وعلى التاريخ برمته.

العلماء ليسوا مسؤولين عن “أهواء” الناس بالتأكيد. لكنهم مسؤولون عن كيف يفهمهم الناس. مسؤولون عن حماية الدين، وصيانة وسائل دعوته، وإيصاله إلى الناس بالأسلوب الذي يُقنع الناس. والناس لم يعودوا “مُسلّمين” بما يقوله العلماء فقط.. كلّ شيء اختلف، والتحدّيات باتت أصعب..!