علي مسقلب.. خسارة كتاب في موروث القطيف الزراعي

القديح: صُبرة
كلّما تُوفّي مُسنٌّ في مجتمعنا؛ نكون قد فقدنا كتاباً ثريّاً. ووفاة الحاج علي أحمد حسن مسقلب التي مرّت مرور الكرام في أخبار وفيات محافظة القطيف؛ كانت علامة حزن حقيقي لفقد كتاب من صنف خاص. لم يكن مؤلفاً، ولا مدوّناً، ولا حتى حكّاءً.
إلا أن رحيل رجل مثله ينطوي على خسارة كبيرة لرصيد الموروث الزراعي في القطيف، بوصف الرجل واحداً من مصادر التوثيق الشفاهي الذين قدّموا إفادات مهمة للموثّقين الزراعيين.
“أبو سلمان” الذي أمضى السنوات الأخيرة في مجلس منزله شمال بلدة القديح، عاش أكثر سنوات حياته فلّاحاً في بساتين البلدة الريفية، لم يتعلم القراءة ولا الكتابة، ولم يؤسس لنفسه غير عائلة ربّاها على الطريقة المألوفة.
إلا أن أبناء جيله الذي احترفوا الزراعة أباً عن جد، تحوّلوا ـ مع الزمن ـ إلى متحف ثقافي زراعي، استناداً إلى أن ممارستهم الزراعية اليومية؛ كانت إرثاً ضارباً في عمق التاريخ الزراعي في القطيف، وهو إرثٌ ممتدٌّ لآلاف السنين.
هذا الإرث مُني بتحوّل خطير منذ بداية ثمانينيات القرن الماضي، بعد انهيار ما يُعرف بنظام “التضمين” الذي ضمن تشغيل بساتين النخيل بين طرفين جادّين “مالك” و “مستأجر”. وهذا النظام حافظ على أن تستمرّ الزراعة، في القطيف، على طريقة التزام الطرفين بعقود “التضمين” العملية.
يقدّم “المالك” بستانه، مقابل أن يقدم “المستأجر” جهده وجهد أسرته في “تشغيل” البستان. ويقدّم المستأجر للمالك الغلة السنوية المعروفة بـ “الصُّبرة”. وغالباً ما تكون الصُّبرة عدداً من قلال التمر. ولكلّ بستان صُبرة، تبعاً لمساحته وعدد مغارسه “نخيله”. ويلتزم كلّ طرف بما تعهّده، وهكذا يبقى البستان حيّاً أخضرَ مُنتجاً، عاماً بعد عام، وموسماً بعد موسم.
ولا يُعرف متى بدأ نظام “الصُّبرة” في القطيف، إلا أنه لم يكن محصوراً فيها، وما يُميّز “صُبرة القطيف” هو أن عقدها مدته سنة واحدة فقط، في حين قد يستمر عقد “صُبرة الأحساء” إلى سنواتٍ طويلة، وفي قلب المملكة قد يصل إلى عشرات السنين. وما يجمع بين الأنظمة هو الاتفاق بين الطرفين على “تشغيل” البستان بواسطة المستأجر لصالح المالك، ويحصل كلّ طرف على ما اتفق عليه في التعاقد.
جيل المتضمنين
الحاج علي مسقلب؛ واحدٌ من آخر جيل الفلاّحين “المتضمنين” الذين عملوا في النخيل ضمن عقود سنوية. وقد نشأ الحاج علي وشقيقه الحاج حسن مسقلب في هذه البيئة. وشقيقه نشط في بستان يقع شمال القديح يحمل اسم “الرُّويبْحي” الذي ما زال حياً إلى اليوم.
وما زال هذا البستان من أهم بساتين القطيف على الإطلاق من حيث وجود أصناف نادرة من نخيل القطيف التاريخية فيه. ويمكن اعتباره متحفاً للنخيل، بعد بستان “باب اسبينة” الموجود في بلدة التوبي.
عاش “أبو سلمان” في الزراعة سنوات شبابه، وعمل إلى أن تقدّم في السنّ، وصار أضعف من أن يركب النخلة، وينحني في الحرث “عمار” وتنظيف المزروعات من النباتات الطفيلية “ابْناية”، وجزّ المزروعات وجنيها.0 1 2بستان “الرويبحي” ما زال يُحييه بعض أبناء الأسرة
الرجل المصدر
ممارسة الزراعة والغرس جعلت من “حجّي علي” خبير نخيلٍ عارف بأصنافها وطباعها ومواعيد نضوجها. وقد كان من أهمّ مصادر التوثيق لدى جماعة توثيق النخيل التي تشكّلت في القطيف، سنة 2017، وأنجزت توثيق 64 صنفاً، ومن المخطط له أن يصدر كل ذلك في كتاب وثائقي.
3صنف من النخيل النادر قدّمه جماعة التوثيق للحاج مسقلب في موسم 2017
مجلس العصريات
في آخر حياته؛ تحوّل مجلس منزله الصغير إلى ملتقى لشركاء المهنة القدماء. يزورونه لتزجية الوقت في أحاديث الشياب المتفرعة.



