[8] حسن البريكي أديب حجب الطبُّ مواهبَه في الشعر والثقافة والترجمة
![[8] حسن البريكي أديب حجب الطبُّ مواهبَه في الشعر والثقافة والترجمة](/img/w1200.webp?u=https%3A%2F%2Fwww.sobranews.com%2Fwp-content%2Fuploads%2F2018%2F09%2F-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%88%D8%A7%D9%85%D9%8A-e1540267778400.jpg)
عدنان السيد محمد العوامي
على مدى سبع حلقات مرت حول الصديق الغالي الدكتور حسن البريكي متخمةً بما غثَّ وثقل من المناكفات والمعارضات تحملها صابرًا محتسبًا، وآن الأوان لأن أفي بما وعدت من تقديم شيء من شعره، فكما يقال في المثل: (الثكلى أخت الثكلى)، فقد صادف أن اتفاقنا – في مواقف – الرثاء في مناسبات ثلاث أليمات هي: وفاة الشاعر الأستاذ محمد سعيد الحاج أحمد الجشي (رحمه الله) في شهر رمضان سنة 1410هـ. ووفاة عاشق الآثار، الوجيه الكبير الحاج محمد صالح الفارس، والشاعر المؤرخ الأستاذ محمد سعيد المسلم (رحمه الله جميعًا)، وقد مر في الجزء (6) من هذه الحلقة، ما كتبه عن المسلم نثرًا، وهذا ما كتبه في رثاء محمد سعيد الجشي (رحمه الله) شعرًا:

حسبت الحزن من قدري وحظي
فرحت أعبُّ من كأس اغترابي
فقد قطع الزمان خيوط وصلي
وجرَّدني، فتُقْت إلى صحابي
وقرَّ بخاطري دنياي ولَّت
وما حولي سوى ندل الغراب([1])
فجئت، ولم أكن قد جزت حظي
قصارى ما أرى موج اكتئابي
فعدت كم تقمّصه مَلاكٌ
يداعب خافقي، ويذيب ما بي
أحلت الهمَّ في قلبي هُيامًا
وأشرعت السفين على العباب
عرَفتك باسمًا شهم السجايا
وفيك الروح مترعةُ الشباب
عرَفتك مِشعلا عَبر الليالي
وأنَّى استوثقت كتل الضباب
تطوف بنا على الدنيا دليلاً
وتأبى أن تظل هبا سراب
تسمِّعنا النشيد جلاء غمٍّ
وتشعل في القلوب هوى التصابي
وما زال النشيد، أبا رياضٍ
يؤجِّج في النفوس جُذى الغلاب
فلا عذُبت، ولا شرُفت حياةٌ
إذا لم تقتحم قمم الصعاب
هناك شذاك نطلبه طموحًا
يرف بنا على هام السحاب
ألا فليهن رمسُك ضمَّ روحًا
يوشي جانحيه هوى كتاب
نشرتَ بخطِّنا نفحًا أريجًا
تضوَّع في السهول وفي الروابي
فترعى للوفا حقًّا أثيرًا
فعهدك عندنا عهد الرقاب
* * *

الدكتور حسن البريكي
ولي في المناسبة هذه القصيدة:
سَفَكْتُ فيك رثائي من فمي نَغَما
لو كان شعريَ، مما في دمي، أَمَما([2])
فقد يُريُبك شِعرٌ لا يَرِفُّ به
نَبْضُ الفُتُونِ عبيرًا، والهوى نسَما
فأنت أرهفُ إحساسًا وعاطفةً
من أن تُطيقَ عُبوسًا، أو تَرى جَهَما
سَجِيَّةٌ فيك تأبى أن تُرى كَدِرًا
أو أن تُرى، ذات يومٍ، لستَ مبتسما
لكنَّ حَرفيَ محزونٌ، وقافيتي
جريحةٌ، وسُطُوري ينتَفِضْنَ دَما
أصاب فقدُك أحشائي، وروَّعني
فلم أجد ليَ، بين النادبين، فما
فدع بَيانَك يُورِ الحبرَ في قلمي
فلي يدٌ لا تُسيغ الحبرَ والقلما
* * *
يا عاشقَ الحرف، لا تعجب إذا خرِسَت
يراعتي، أو تنَزَّى مِرقمي ألَما
فالجرح تَنطِف في صدري مرارتُه
حتى أحال رثائي، في فمي، بَكَما
من ذا يصدِّق أنِّي قبل آونةٍ
من الفجيعة أُسقَى عندك النِّعَما
يرفُّ صوتُك في سمعي، فواعجبًا
من الندى، كيف يُوري في الضلوع ضما!
وكيف يُورِف فيه البوحُ أشرعةً
من العبير، ويَهمِي، كالعقيق، لَمَى!؟
وكيف تحتشد الآهات أروقةً
من الحسانِ، ويختال الرنينُ دُمى؟
فما برحتَ تُريق الوحيَ أخيِلَةً
وتسفحُ اللونَ وهمًا، والصدى حُلُما
حتى انثنيتَ، وما في البيتِ آنيةٌ
إلا وأخصبتَ فيها للهوى رحِما
* * *
يا عاشقَ الحرف، هبْ لي رجعَ قافيةٍ
تبكي عليك، وخذها من فمي ضَرَما
هبْ لي يراعَكَ سلسالًا ينِزُّ جوًى
هبْ لي نشيدَك يهمي بالشذا دِيَما
هب لي الزُّلالَ يُروِّينا، ويُظمئُنا
إذا ترقرقَ، في أسماعنا، وهمى
ولا تلمني إذا لم أقوَ، من جزَعٍٍ،
أن أُبدِعَ الشعرَ، أو أن أحسِنَ الكَلِما
فللفجيعةِ رجعٌ حزَّ قافيتي
حتى تموَّج حِبري، في يدي، ظُلَما
* * *
هَبْ لي رؤاكَ، ولا تعجل علَيَّ بها
فكم وهبتَ؟ وكم نَوَّلتني كرَما؟
فالآن حينَ أسال الخطبُ أوردتي
أسىً، ولعلع حزني، في دمي، حِمَما
أمسيتُ أحوجَ تلميذٍ ورائدُه
يقسو عليه فيجزيه النِّدا صمما
* * *
أبا رياضٍ، أجبني، إن في كبدي
موجًا من الحزن، لو تدري، طغى، وطما
وما أراك تراني فيه منفردًا
فالخطُّ، مِثلي، تبكي النُّبلَ والشَّمَما
تبكي عليكَ هزارًا فرَّ من يَدِها
وما يزال يرشُّ العطرَ والنَّغَما
غنَّى هواها، وأهدى من حُشاشته
سُلافة الوجدِ لا كَلاًّ، ولا برَما
شكا، وأبكى، وغنَّى في مواسمها
فما استراح، ولا أغفى، ولا سئما
فهل تلام إذا هبَّت نوادبُها
وقد طوى الموت من أعلامها علما؟
إذا جلا البِشرُ عنها، واستبدَّ بها
يأس الفراقِ، وعضَّت كفَّها ندما؟
فعذرها أن فيها للوفاء هوًى
وأن فيها، لذَيَّاك، الهوى ذِمما
فإنه لم يكن فيها سوى نغَمٍ
مُضمَّخٍ بشذاها قبل أن فُطما
وأنه في روابيها مشى غُصُنًا
سقت صباه جَناها، فاستوى، ونما
لكنه حين لقَّته ضفائرَها
مواسمُ العشق، والتفَّت به؛ قُصِما
فمن أعزِّي؟ ومن أبكي إذا بلدٌ
بدمعها، كبلادي، شيَّعت هرما؟
* * *

وفي الجزء (4) من هذه الحلقة، وضمن ملاحظاتي على ما أثبته الأستاذ سعيد الناجي من قصيدة الدكتور([3]) في رثاء الحاج محمد صالح الفارس (رحمه الله) وعدت بأن أثبت القصيدة كاملة: وهذه هي بتمامها بعنوان: (الدار، وابنها البار):
يسائلني صاحبي ما النبا؟
تحرى همومي واستغربا
تنصت همسي في غفوة
ومال ليسند لي منكبا
فأدركت أني خلٌّ كذوب
وما الخل إن مان أو كذبا
غريمي في القلب يا صاحبي
ضنى الهم والوجد ما أعشبا
غريم تعشق سُكنى الوحول
وباتت مقاديره معتبا
خديناه في الدرب صرف الزمان
وإرخاؤه الرأسَ والمنكبا
فهل يُمترى إن سئمت الوحول
وأعطانَها والثرى المجدبا
وإن مالأ القلب صبا رنا
لآت ينادي به مرحبا
يحن إلى الزهر والباسقات
على السيف هدهدهن الصَّبا
ويهوى المواويل عبر النخيل
تعلل في الليل خِلاً صبا
هي الخط ينشق أطفالها
نسيماً تضمخ حاء وبا
هي الخط يا صاحبي ما انطوى
فؤادي على غيرها ملعبا
زها ضوؤها الغض بالرائعات
شدا صيتها مشرقاً مغربا
* * *
فحسبك، يا حاملاً عشقها
بجنبيك منذ اخضلال الصِّبا
بأنَّ ببرديك أطيابَها
تُشعشع نخلاً وتزهو رُبى
سبرت مغاور أشواقها
تيمَّمَتْ النجم والكوكبا
وألقت بروعك نفح العصور
فحزك عصرك أن يسلبا
فأقسمت أن تستعيد الكنوز
وأن تهزم الناب والمخلبا
وأقبلت في زخم الرائدين
تصوغ لها لحنها المطربا
وتمضي بدربك في نشوة
تواثب عصرك وثب الظِّبا
فتحت مغالق عهد جديد
يذكرنا أمسنا المذهبا
وأشرعت للنور كلَّ الكُوى
تهيب بنا: نجمكم ما خبا
وتحفزنا أن نمد الرقاب
لنلقى الذي تاه قد أوَّبا
حنانيك، لم ترتهنك الظنون
ولم يثنك اللغو مهما نبا
عفيف اللسان، صدوق الجنان
وتسهو كريماً، وتغضي إبا
حنون على النبع تحتاطه
نقيًّا زلالاً ندى طيبا
سُقينا بروضك روح الزمان
تحرى الطريقَ، وما نكبا
أبا صالحٍ، أنت عندي القطيف
أُباهي بك البحر والسبسبا
لك الخلد في عالم الخالدين
أأرثي حضورك فينا أبا؟
* * *
ولي في المناسبة هذه القصيدة:
ما له أسبل الجناح وأغفى؟
سئم الأفق أم تهيَّب رفَّا؟
يعطف النسر للخميلة وهناً
كلما اشتطت العواصف عنفا
وهو في أوجِه السنيِّ مُدِلٌّ
ما ونى في رفيفه أو أسفا
عمرَه الرحبُ ما أراح جناحا
أو زوى عن لظى الهواجر كَتْفا
ما وهى خطوة، ولا لان عزماً
ما ثنى من يد الصلابة كفا
فإذا اكتظت المحافل جلَّى
أو دعا هاتف المروءات خفا
أو تنادت صوادح العزم لبَّى
أو تقاضته دَينَها الأرضُ وفَّى
* * *
يا رؤى الخطِّ، من تظنين أجلى
صبوة في هوى سناك وأوفى؟
من أبي صالح؟ وأحنى وأضنى
بيننا خافقاً عليك وأحفى؟
من تظنينه أرقَّ حناناً
منه في نبض عشقه وأشفا
حينما طار من سمائك يؤوي
همه في شوامخ الهند كهفا
لم يكن قلبه توفَّاك عشقا
أوشذا وجدِه بعينيك جفا
عاش يمتاح من فتونك، يُسقى
عنفوان الصِّبا الزلالَ المصفى
وطوى العمرَ ما استلذ ربيعا
في سواه، ولا تعشق صيفا
فتلقاك بالمبرة عَلًّا
وارتوى منك بالصبابة رشفا
* * *
تسألين الدليل وهو وضيء
أو رفَّافة المصابيح تخفى؟
(تلك آثاره تدل عليه)
فاسأليها؛ تجبك كمًّا وكيفا
هل شدا صيتها المجلجل لولا
ألق منك في حناياه رفَّا؟
أو طاف البلاد إلا لوجد
بك يطويه في الحشاشة نزفا؟
يذرع الأرض في غرامك ذرعا
ويلفُّ الدنى – لعينيك – لفَّا
يجمع الرائع النفيس ليُحيي
ما انطوى من تراثنا، وتعفَّى
* * *
كان يهواك طارفاً وتلاداً
لزّ في مسبح الكواكب أنفا
وثرىً فاغمَ النسيم زكيًّا
سجسجَ الدفء، طاهرَ الظل، عفَّا
كان – رغم العناء – يطويك جرحا
في الحنايا، ورفةِ الهُدب طيفا
يا أبا صالح، بكتك البواكي
لو قضى واجباً لك الدمع صرفا
ولسالت على ثراك القوافي
دامعات تنز حرفاً، فحرفا
غير أنا نلوذ بالدمع حينا
علّ نفساً أمضَّها الحزنُ تَشفى
* * *
يا بني الفارس الكمي عزاءً
فالدراري تضيء، حيناً، وتطفا
أي نجم إذا تلألأ وهنا
لم يذق غصة الدياجير خسفا؟
أي حي لم يلفه الدهر يوما
كارعاً من عُلالة الكأس حتفا؟
حسبنا أننا عرَفناه خِلا
وصحبناه في مدى العمر إلفا
وانبهرنا به على الأفق نجما
وانتضيناه في الملمة سيفا
ومضى طاهر الخطى، فخسرنا
إذ خسرناه في الكتيبة طِرفا
* * *
فلئن حُمَّت الدموع بجفني
ومن الدمع ما يبين ويخفى
أو زهت رعشة المداد بحزني
فاشرأبت من اليراعة عزفا
فاعذروني، فإن للحزن رجعا
ولرشِّ الأسى – كما الريح -عصفا
أكثير عليه أن تتدمى
مقلة الحرف بالهواجس وكْفا؟
أنا من عطر زهره، فاغفروا لي
إن تضوعت في مراثيه عرفا
* * *

وإذ لا يتسع المجال لقصيدتي في رثاء المسلم (رحمه الله) أكتفي بنشر صورة لما نشرته جريدة اليوم منها بالعدد (7633)، ليوم الاثنين 28 ذو القعدة 1414هـ، 9 مايو أيار 1994م، اليوم الثقافي، ولاسيما أن رثاء الدكتور له كان نثرًا، وليس فيه شيء.
ــــــــــــــــــ
https://www.sobranews.com/#_ftnref1([1]) خطْف واختلاسه، كناية عنه القِلةَّ والندرة.
https://www.sobranews.com/#_ftnref2([2]) قريبا.
https://www.sobranews.com/#_ftnref3([3]) صحيفة صبرة الإلكترونية، الرابط: https://bit.ly/3xVxiEt



