مذكرات واحد مشتهي عيد…!

حبيب محمود
(1)
في طفولتي العادية جداً؛ كانت الأعياد نقطة “إحباط” أحياناً. كنتُ “أسافر” سيراً على الأقدام من حي “لـِفتيّة” جنوب شرق العوامية إلى غرب القديح؛ لأجد أقراني وأبناء عمّي نائمين صائمين. ومحلّ “السيد عبدالله أبو الرحي”، عند عين الشرّابية؛ مغلقاً لا يبيع شيئاً من ألعابنا، ومحيط “فريق السدرة” موحشاً..
لا فرح، ولا أطفال يلبسون الجديد..!
(2)
ثمّ حين اخضرّ شاربي؛ وأدركتُ موجة “لـطِّيْوُعْ”؛ علمتُ ـ تلقيناً ـ أن عندنا عيدين: واحداً للحكومة، وآخر لنا. والعيد الذي لنا يمكن أن يكون عيدين أيضاً: عيداً لـ “الأخباريّهْ”، وآخر لـ “الأصوليّهْ”. وقتَها؛ كان فراغي قد امتلأ ـ صدفة ـ بأفكار “الأصوليّهْ”، ضدّ “الأخباريّهْ”، وغضبت عليّ أمي العوامية، و “استانس” أبناء عمّي في القديح..!
(3)
“الشَّنِبْ اكْبُرْ”، ونبت معه “عُثنون” يكفي لـ “كَعْب/ سكسوكة”، فصرتُ أحرص على “الغترة البيضاْ بلا عقال”، وأتحدّث بلكنة “سلامُنْ عليكُم”، و “من رخصتكُم”، و “اشلونكم”، وربما مررتُ بكلمة “أغاتي” و “شِتْريد”..
أقول ربّما.
والمهمّ أن الأعياد صارت “احتفالاً” بتمايز جماعة “الشيخ فلان”، عن جماعة “الشيخ علّان”. وفي ليلة ـ كهذه الليلة ـ نتسقّط الأخبار عن ثبوت الهلال، بربكة نأمل منها أن تُعيننا على احتكار الحقيقة..!
(4)
“الشَّنب انفتل”؛ وتوظفت، و “عرّست”، وتركت “سالْكةْ الغترة البيضاْ”، و “الكعب”، وجماعة “سلامُنْ عليكُم”. ومع ذلك؛ تكرّرت قصة المثل الشعبي “سالْفة إمّيْ ـ يَبَعْد إمّي ـ ردّيها”، وهذا مثلٌ خاص بسكان العوامية حصراً، ولعلّه تسرّب إليهم من البحرين. وهو يُنطق بطريقة الإخفاض المعروفة عند ألسنة سكان شمال القطيف، القديح والعوامية والآجام وصفوى، وبالذات بكسر كلمة “أمّي”، لتُنطق “إمّيْ”، مثل اللبنانيين..!
ومعنى المثل: أعيدي سرد قصة أمي، تفديك أمي..! ويُضرب عند التذمر والتضجُّر من تكرار الشيء ذاته، أو التأفّف من طلب تكرار الشيء ذاته.
(5)
و “سالفة إمّيْ”.. عفواً؛ أقصدُ قصة “فـَبَتْ.. ما فَبَتْ” التي كنتُ أسمعها من لسان “إمّي” الأخبارية، أو لسان أبي “الأصولي”؛ هي ـ نفسها ـ لم تتغيّر، حتى بعد أن “وخطني الشَّيب”، وصار عندي أسباط ألاعبهم أكثر مما كنتُ أفعل مع أمّهاتهم.
لكن أمي وأبي كانا يقولان “فَبَتْ” بالفاء، لأنّهما لم يُؤتيا من فهم “الأصوات اللغوية” إلا قليلا. وأبنائي يقولون “ثَبت” بالثاء. ولا شيء يدعو إلى عصبية في شأن “الفاء” و “الثاء”، فالدلالة لا تتغيّر بتغيّر الصوت، فهذا مبنى صوتي. ولكنّ الأمر يتغيّر ـ كلّياً ـ في شأن “العيد المزدوج”؛ بتغيُّر “المبنى الفقهي” الذي “يجلدنا” به “جماعتنا”..!
(6)
و “سالفة إمّي” ليس لها حلٌّ، وعلينا أن نفهم أننا محكومون بنظام “نُصوصي”؛ السؤال عنه مدعاةٌ لسُخط جماعة “سلامُنْ عليكم”، لأن كلّاً منهم يُريد العيد الخاص به، بل بـ “جماعته” المسؤولة عن المشاركة في “إرباك” الناس، ليكون الاثنين عيداً، والثلاثاء عيداً آخر..!
وما أحلى القطيف.. “عيدْها عِيدين”..!



