أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

خيبة أمل في “تفقيع” عبدالقيس…!

محرر صُبرةالإثنين 13 يونيو 2022، 1:52 م
خيبة أمل في “تفقيع” عبدالقيس…!

حبيب محمود

المولَعون بالعِرْقيّات مشغولون بالفقاعات بين وقت وآخر. وآخر ما أعرف من هذه الفقاعات؛ هو ظهور نبرة “عبدالقيس”، القبيلة العربية المهمة في الحوض الخليجي العربي. أسباب كثيرة ساعدت على “تفقيع” القبيلة التاريخية في خطاب التواصل الاجتماعي، وأدبيات متناثرة.. وساذجة..!

لماذا كلُّ هذا “التفقيع”..؟!

بعض “المفقِّعين” مُثقلون بهاجس الانتماء الجماعيّ الذي لا يُغني ولا يُسمن من جوع “القيمة” الذاتية للإنسان. خاصةً مع قبيلة لم تعد موجودة بالمعنى “القبَلي” السائد، حتى يُستقوى بوزنها الديموغرافيّ أو الجغرافيّ المؤثر.

عبدالقيس “سادت ثم بادت”، كما يُقال في أدبيات التاريخ. ومحاولات “التلصُّق” بها؛ ليست أكثر من محاولة رسم قصر لم يعد موجوداً بسُبّابة كفّ في هواء أرض فارغة..!

وبعض “المُفقّعين” مهزومون مازوخيون نفسياً، ويكثر في أحاديثهم وصف “السكان الأصليين”، وهم لا يقلّون وضعاً عن رسّامي قصور الهواء؛ إذا وضعنا “تفكيرهم” على محكّ التاريخ. إذ إن كون أحدٍ من السكان الأصليين، أو من غيرهم، لا يقدّم ولا يؤخّر في تقدير القيمة والأثر. تلك حتمية تاريخية، يتفهّمها أقلُّ المتأمّلين تفكيراً..!

الأثر الحقيقي هو الذي تُقدّمه للأرض التي أنت فيها، لا الأرض التي وُلدت فيها. وقبيلة عبدالقيس ـ نفسها ـ لم تكن من “السكان الأصليين” في الشطر الشرقي من الجزيرة العربية الذي كان معروفاً بـ “بلاد البحرين”.

هي قبيلة وافدة، بل ومُحتلّة أيضاً. جاءت من تهامة، وزاحمت سكاناً سبقوها وفرضت نفسها على أرض شاسعة. وهذا ما يُعبّر عنه المؤرخون بقولهم “شحَطت إياداً”، في تاريخ عبدالقيس..!

حدث منذ ألفي سنة.. ربما أقلّ.. ربما أكثر.. وذلك لا يُقدّم ـ أو يؤخر ـ في الأثر المهم الذي تركته القبيلة العربية في هذا الجزء العربي عبر قرون طويلة.

عُقدة السكان الأصليين فيها الكثير من السذاجة والانفصال عن الواقعية، والانفصال عن الإنصاف أيضاً. بل هي مجرد “تفكير نفسي اجتماعي” يطغى في المراحل التاريخية الانتقالية، ثم يتلاشى مع فرض الواقع أمره، وتحوّل “السكان الوافدين” إلى “أصليين” مع الزمن..!

حتمية التاريخ لا تفرّق بين “أصلي” و “وافد”، بل بين “مؤثر” و “متأثر”، بين “مُنتج” و “مستهلك”. وحين نضع هذه القيمة في قراءة تاريخنا الإسلامي؛ فلن نجد أوضح وأنصع وأهم من دور النبي، صلى الله عليه وآله وسلّم، والمهاجرين معه. فهم ليسوا من سكان المدينة المنورة “الأصليين”. لكنّهم ـ ومعهم الأنصار ـ غيّروا مجرى تاريخ ما زال العالم يحسبه في يومياته..!

إذا كان تاريخ اليوم هو 14 من شهر ذي القعدة من سنة 1443هـ؛ فإن هذا يعني الإشارة إلى تاريخ بداية تغيير مجرى في التاريخ البشري، على يد {ثلة من الأولين}، كما تقول الآية الكريمة. هذا التحوّل البشري العظيم صنعه سكان “غير أصليين”.

مثل هذه الحتميات التاريخية؛ لا تنطلق ـ بالضرورة ـ من رسالات سماوية سامية، كما هو حال التاريخ الإسلامي. بل هو يتشكّل وتتكوّن بفعل ما يُقدّمه البشر للأرض التي انتقلوا إليها، سواءً كانوا جماعات وأعراقاً، أم أفراداً.

صانعوا الحضارة الأمريكية السائدة في عالم اليوم؛ ليسوا سكاناً أصليين..!

الأمويون ليسوا سكاناً أصليين لا في الشام ولا في الجزيرة الإيبريرية، والعباسيون ليسوا عراقيين “أصليين”، الأتراك ليسوا سكاناً أصليين.. الصفويون ليسوا إيرانيين حرفياً.. بإمكاننا توسيع النطاق الجغرافيّ عبر التاريخ، لنفهم أن الأثر الحقيقي غير مرتبط ـ ضرورةً ـ بالقيم الساذجة التي نتعصّب لها.

ماذا يقدّم الأفراد والجماعات للأرض التي يعيشون فيها..؟ هذا هو المهم.. وما عدا ذلك عصبياتٌ، إما مهزومة، أو خائفة من الهزيمة..!

همسة أخيرة للمتعصّبين

جاء في لسان العرب ما يلي:

“والفَسْوُ والفُساة: حيٌّ من عبد القيس”.

وجاء في كتاب تهذيب اللقغة “وعبد القيس يقال لهم الفُساة يعرفون بهذا”.