محمد العباس يكتب: المثقفون الشيعة وعاشوراء

محمد العباس
يعي الصحويون من رجال الدين، تمامًا، أن المثقف هو الذي يمتلك القدرة والحق في قراءة السرديات ومراجعة الوقائع التاريخية، وعقلنة الأساطير، وكبح جماح الخرافات، واستجواب الخطابات، وتفكيك المرويات، والتأشير في المبالَغ فيه من الطقوس، بموجب فكر الحداثة وما بعدها.
ولذلك يتعرض المثقف الشيعي لهجوم استباقي غير مبرَّر، خلال موسم عاشوراء، على المنابر من بعض الخطباء، لإسكاته أو تزهيده في المناقدة، أو حتى تهميشه وتهشيمه اجتماعيًا. وربما لاستدراجه وتوريطه في معركة غير متكافئة يتبدَّى فيها رجل الدين وكأنه الذَّائذُ عن مقدسات المجتمع، في وجه المارقين من أبناء الطائفة.
وعلى الرغم من إيثار معظم المثقفين الشيعة الصمت في مواسم عاشوراء احترامًا للمناسبة؛ إلا أن بعض رجال الدين يصرّون على استتابة المثقف إلى حدّ التنكيل به، فهي فرصة عاطفية لتهييج القطيع من المتحزّبين للسخرية منه، وتأثيمه، بل شيطنته، وذلك في إطار تخليق عدو يمكن، بموجبه، شدّ عصب المتدينين المتمذهبين.
وبذلك يُصبح كل من لديه القدرة على التفكير خارج مُرادات الحالة الصَحْوية؛ مشروعَ كائنٍ منشق، يستحق الإذلال والنفي الاجتماعي. وهي حيلة مكشوفة تتكرر كل عام في مشهد من الاستقواء على المثقفين بالحشد الجماهيري. حيث يردد بعض الخطباء المستفزين الكليشيه البارد “كل من قرأ له كتابين صار مثقف“.
فيما يبدو استخفافًا بالذوات التنويرية الواعية، التي لم تكتفِ بقراءة الكتب بل باتت تؤلف الكتب في مختلف الحقول، الأمر الذي يشكل خطرًا على الصحويين من رجال الدين الذين يريدون الاستئثار بمراكز التوجيه. وهذا هو ما يفسر عين الريبة التي يُنظر بها للمثقفين الذين يداومون على حضور المجالس الحسينية.
وبالمقابل يحاول بعض أولئك الخطباء تقديم أنفسهم كمثقفين، من خلال برامج ذات عناوين عمومية فضفاضة، مكتوبة بلغة متعالمة، توحي بمضامين فكرية خلّاقة لكنها في الواقع مجرّد لافتات ديكوراتية لخطب جوفاء. كما يحاول ذلك الطابور من رجال الدين المتثاقفين تطعيم خطبهم بعناوين كتب معرفية وأسماء مفكرين للإيحاء بتماسّهم مع مكتسبات الحداثة وخطابات التنوير.
وهنا تقع الكارثة؛ حيث تتحول خطبهم إلى مجازر حقيقية للمفاهيم والمصطلحات والأسماء، بالنظر إلى اغترابهم عن ذلك النبع المعرفي، وعن مفردات تلك الآثار الفكرية، الأمر الذي يُحوّل الخطباء إلى مادة مثيرة للسخرية، حيث يتداول رُوّاد مواقع التواصل الاجتماعي هناتهم المعرفية وعثراتهم اللغوية، كما يتصيد بعض المثقفين أخطاءهم الفاضحة لكشفهم أمام جمهورهم الذي يكابر بدوره، لأن المسّ بقدسية رجل الدين يؤدي بالضرورة إلى هدم قدسية المناسبة.
كل عام يتكرر السؤال عن أهمية وأدوات وطرق تجديد المنبر الحسيني، وذلك عن طريق حقنه بجرعات ثقافية لتوسيع آفاق اشتغالاته الوعظية. وقد جرت بالفعل بعض التغييرات على مر السنين، ليس بسبب وعي وحصافة رجال الدين، ولكن كنتيجة لمهبّات العولمة وللمعايير الخطابية التي سنتها الدولة.
إلا أن جوهر الخطاب المنبري لم يتغير، كما يتمثل في ثيمة النعي، اتكاءً على فاجعة كربلاء، وهي قصة مأساوية تندرج في علم السرديات ضمن ما يُعرف بالمرويات الكبرى Grand Narrative، بمعنى أنها النواة الصلبة لخطاب القيم الاجتماعية والثقافية والأخلاقية والجمالية والحياتية التي لا تكف عن التمدد والتضخم مع توالي الأجيال.
ولا يمكن بحال أن يخرج خطاب التجديد عن معالم المروية، لأن أي انزياح عن قاعدة المروية يعني فقدان المنبر لهويته. وهذا هو ما يفسر صمود المنبر الكلاسيكي العصيّ على المثاقفة ووثيق الصلة بحزائنية النعي البعيد عن شبهة التسييس والفرقة بين الناس، في الوقت الذي يحاول فيه بعض رجال الدين الصحويين انتحال صفة المثقفين ومقاتلتهم على هامش المروية لحجز مواقعهم بين المثقفين.



