فساد من نوع آخر.. يحتاج إلى نزاهة من نوع آخر

تحت مظلّة مسمّى (منشأة خيريّة)، وأعمالٍ يعود نفعها على البلاد، وما يتبع هذا العنوان من محبوبيّة خيّرةٍ من عموم أهل الإيمان، فيتفاعلون بالبذل والعطاء، كلاًّ من سعته ومقدرته، ولا يدقّقون من وراء مَن (تطوّعوا) في هذا المضمار، لتسيير هذه المنشأة الخيريّة، وذلك لعدم معقوليّة أن يكون من خصّص جزءاً كبيراً من وقته وراحته في سبيل هذه الخدمة الشريفة، واقعاً تحت (دائرة الفساد)، من حيث يدري ولا يدري، ومن حيث ينخرط بحُسن نيّةٍ وسلامة طويّةٍ، بين فاسدين ومفسدين، ينخرطون بيننا في أمثال هذه المشاريع الخيريّة، ويجيّرونها لمصالحهم الشخصيّة، بأبشع السبُل وأكثرها بُعداً عن اللياقة الدينيّة والاجتماعيّة، حتّى وإن كانت النتيجة (فصل موظّفاتٍ) في تلك المنشأة بالجُملة، ومهما كانت توابع هذا القرار، وإن انتهى إلى دفع رواتب هذه الموظّفات لأشهرٍ بقت في عقود توظيفهنّ ! – كما حدث واقعاً بعد تظلّماتٍ قمنَ بها عبر قنواتٍ نظاميّة أنصفتهنَّ الحقّ -.
حين تُؤتمن مجموعةٌ من المجتمع، على أموال الناس التي حصلوا عليها بالكدّ والسَّير في هذه الأرض، ثمّ تتعمّد هذه المجموعة بقاء (مخالفات نظاميّة) في المنشأة التي تديرها، رغم ما يتبع ذلك من غراماتٍ ماليّةٍ، تحت مقولة (مخالفتنا سوف ندفع قيمتها) !! فهذا أوّل (الفساد) الذي يجب أن نقف عنده ولا نتجاوزه، ولا نغضّ الطَرف عنه، ولا نُحابي فيه أحداً تحت مبرِّر (كلّنا أهليّة.. وجماعة وحدة) !!.. فهل للأهليّة بعد هذا السوءِ من موضع؟!.. وتحت أيّ مسوِّغٍ شرعيٍّ وقانونيٍّ، أجازت هذه المجموعة لنفسها هذا الهدر الماليّ الكبير، واستنزافه بصورةٍ دائمةٍ ومستمرةٍ، في قبال (مخالفاتٍ نظاميّةٍ)، يمكنها تجاوزها وتصحيحها؟! أليس الفقير واليتيم أحقّ بكلّ قرشٍ من هذه الأموال التي لم تُجبَ إلاّ باسمه، ولانتشاله من مستنقع الوهن والعازة والحاجّة والفاقة؟
مجلس إدارة هذه المنشآت الخيريّة، على أنّه منتخبٌ في كلِّ دورةٍ انتخابيّة لعددٍ من السنوات، ولهم كامل الحقّ في أخذ القرارات الإداريّة المهمّة، إلاّ أنّه لا يستنكف من أخذ (المشورة) من عقلاء البلدة، والمعنيّين بخدماته المباشرة، طالما كان الأمر بكلّ نتائجه الممكنة، لا يتعارض مع مصالحه الشخصيّة، وحريم أولوياته من المحسوبيّات، ومافيات العمل الاجتماعيّ، وما عدا ذلك، فهو أسرع الحاسبين، وأعقل العاقلين، وأجود الناظرين، ولا تراجع عنده قيد أنملةٍ فيما أخطأ فيه من قرراتٍ إداريّة، تحمل سمة (التعسّف والتزمّت) !
حقيقةً قد استحكمت عليّ الدهشة، وأنا ابنة هذه (البلد الطيب)، وأنا أشاهد بأمّ عينيّ ما في هذه (المنشأة الخيريّة)، التي أنشئت بسواعد الأخيار لخدمة أبنائها أولاً وآخراً، ولكوني (صاحبة جراح) طالتني من هذه المنشأة، من خلال تجربتي العمليّة فيها، ووقوفي على كمٍّ مهولٍ من التجاوزات الأخلاقيّة والذوقيّة، فضلاً عن النظاميّة. هنا أطرح أسئلةً بين يديّ من يقرأ مقالتي، ومن يملك جواباً لها يُعيد أمثال هذه المنشآت لجادتها الأساس.
التساؤل الأول:
هل (المنشأة الخيريّة) ملكٌ لأفرادٍ معيّنين مخصوصين، أم هي عامّة تخدم أبناء المجتمع عامّةً بلا أولويّاتٍ شخصيّة؟
الجواب البديهيّ:
لخدمة أبناء المجتمع بالطبع.. لكنّ الواقع الفعليّ في (بعض) هذه المنشآت الخيريّة، هو استفراد مجموعةٍ من الأفراد بإدارتها، إمّا من (كرسيّ المسؤول) الذي يصلون إليه، أو بإدارة (الظلّ) الخفيّة، على غرار (حكومة الدولة العميقة) غير المُعلنة، التي تدير كلّ المجالس التي تتوالى على تلك المنشأة، بأوراق ضغطٍ تحتفظ بها تلك الأصابع الخفيّة، وبعض المهام التي تتعمّد إبقاءها في عهدتها إلى قيام يوم الدين، حتّى تكون لها (قدم تحكّمٍ) في قرارات المنشأة الخيريّة، وتبقى لها اليد الطولى التي يخشاها (المتطوّع) الذي أحسن الظنّ بها. وما يزيد الطين بُلّةً هو (الانفلات النظاميّ) في أمثال هذه المنشآت الخيريّة، التي لا (نظام عملٍ) لها مكتوبٌ وواضحٌ، يمكن مراجعته والاحتكام إلى بنوده عند الاختلاف والشِّقاق، ولا ثوابت ولا أسس ولا قوانين ولا أفكار ولا أهداف، بل يتمّ (تفصيل قانون) لكلّ (احتياجٍ شخصيٍّ)، وما هو حاجّة اليوم قد يكون عالةً يجب تغييره مستقبلاً، فالمقاسات مختلفةٌ دائماً وأبداً.. وأيُّ فسادٍ في نظامٍ كهكذا فساد؟!!
التساؤل الثاني:
ما المقصود بـ (حقّ الموظفين) بداخل هذه المنشآت الخيريّة، في قبال (حقٌّ مضيّعٌ) للمجتمع؟
في إحدى هذه المنشآت، مَن يخالف مجلس إدارتها من الموظّفين بوجهة نظرٍ مغايرةٍ، أو يُدلي بدلوه في فكرةٍ ما تصويباُ وتنضيجاً، فهوَ في معرض الإيقاف وإنهاء الخدمات بدون سابق إنذار، فالمطلوب منك فيها أن تقوم بكلّ مقرّرات مجلس إدارتها، وتنفذها من فَورِك كما يعمل (الريبورت)الآلي المبرمج لا يحيد عمّا يسند له، ولا يناقش ولا يصوّب، فليس من شأنه المناقشة، ولا من مقامه المشاورة.
وكم من (كفاءةٍ علميّة وعمليّةٍ) من أبناء البلدة – الطيّب أهلُها – حُرِمها المجتمع بسبب هذه التعسّفات الإداريّة، والبدائل التي تُقدّم ويتم إحلالها محلّها دون ذلك بكثير، يكفي أنّها تستطيع أن (تمشّي الأمور)، وامتيازها الوحيد أنّها من طبقة (أقارب) أصحاب القرار في تلك المنشأة، أو في أحسن الأحوال ممّن تتماشى مع (مزاج) المسؤول الذي يحب سماع كلمة (السمع والطاعة).
هكذا كان فعلاً في تلك (المنشأة) التي عايشتها بالتجربة، كنتُ أسمع أنّ الكادر السابق – وهم كفاءات وطنيّة – رحلوا أو تمّ ترحيلهم وإنهاء خدماتهم، بتلك القرارت (السلطانيّة)، وآمنتُ – ولات حين مناصٍ – أننّي أُكلتُ يوم أُكل الثور الأبيض، وتعدّى الأذى شخصيّة الموظفين فطال أسرهم، وميّتهم قبل حيّهم !!
هكذا منشآت تسير وفق تلك المشتهيّات، لا يمكن وصفها بأنّها (منشآت خدميّة اجتماعيّة)، بل هي (شخصيّة) بامتياز، تحتكر لجانها رؤساء (الظلّ)، ومهما أعيد انتخاب مجلس إدارتها، تبقى (عوائل) المعنيِّين في المناصب المطلوبة، بغض النظر عن مستوياتهم الأكاديميّة، التي لا يتعدّى بعضها (شهادة الثانويّة العامّة)، وسيستمر تكرار هذا المشهد المؤلم، طالما كانت مجموعة (الفزعات) من الأهل والأصدقاء حاضرةً لتوصِل من يُراد له الوصول، بإعطاء أصوات الترشيح له، والنتيجة: خلطة عجيبة غير متجانسة في مجلس إدارة، لا يملك النضج الاجتماعيّ، ولا البصيرة العلميّة، فطالما استوفى العدد نصابه فلا تثريب، ولن تستطيع تمييز منطق رئيسها عن نائبه أو سكرتيره، بوعي حجم المنصب التراتبيّ، والضياع عند المحاججة بين أيديهم سيّد موقفهم، ولا كبير بينهم!
تساؤلي الأخير:
من يحاسب هؤلاء الذين تسلّقوا على حاجات أبناء المجتمع فما صانوا الذمام؟ ومن يردع فسادهم الذي ضيّع كثيراً من الحقوق بلا وجه حقٍّ شرعيٍّ أو اجتماعيٍّ؟ أليست هذه المؤسّسات قائمةٌ على تبرّعات أهل الإحسان من أبناء المجتمع عامّة ولهم دور الرقيب على أداء مجالس إدارتها؟ فلتكن تلك المنشآت بأسماء شخوصها، ولتقم على جيوبهم الخاصّة فهو (استثمارٌ خاصٌّ) والمثوبة على النوايا.
إنّه فسادٌ من نوعٍ آخر.. وهو بحاجةٍ إلى (نزاهةٍ) من نوعٍ آخر.
مواطنة من هذا البلد الطيب



