أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

4] غليان الربع الخالي

صُبرةالثلاثاء 12 مارس 2024، 9:12 م
4] غليان الربع الخالي

محمد الهلال

لا وعي دون تفكير، دون قراءة، دون تأمل، دون طرح الأسئلة. الأذكياء هم من يدفعونك منذ الكلمة الأولى، لمصاحبتهم في أعمالهم الإبداعية، الكتابة لديهم، ليست مضيعة للوقت، كلّ شيء محسوب، ما قبل الكتابة، الأفكار، الأسئلة، التأملات، الأحلام، قراءة الماضي ووضع تصور للمستقبل، تفكيك الحاضر، طرح الأسئلة المشتركة بين الكاتب والقار.

لذا كان الاسم “الربع الخالي” لماذا؟ وهل هو خالٍ بالفعل؟ ومن أي شيء خال؟ من البشر، الأفكار، العادات، القيم، أم من التطور؟ هل هو مجتمع بدائي يحتاج لتغيير كامل..؟ أم عملية تحديث في الأنظمة الاجتماعية والاقتصادية والتعليمية والسياسية، كما حدث في مجتمعات أخرى مشابهة له…؟

يقول الكاتب في الصفحة ١١: “ولدت في الربع الخالي، لم يكن خالياً حين ولدت”.

هنا يضع علامة استفهام كبيرة تحتاج من القارئ إلى أن يطرح الأسئلة التي سبق أن وضعناها ليمسك بخيوط العمل من البداية. فالرواية تحكي قصة سجين رأي وابن تاجر سجنٍ بسبب حادث دعس تسبب في وفاة عامل مصري.

يدور بين الاثنين حديث يمتد ويتشعب تخرج من شخصيات تشاركهم الرواية، السؤال الأول الذي يدور في ذهن القارئ المقصود بهذه البداية هو لماذا فتح سجين الرأي الحديث مع ابن التاجر ولم يفتحه مع سجين آخر؟ هل كانت ستختلف الرواية لو كان الحوار مع سجين آخر؟ سارق مثلاً أو سجين قضية أخلاقية أو سجين دين أو..أو؟؟؟

بالطبع اختيار الشخصيات لم يكن اعتباطا ولا مصادفة، وكما يقول المثل “كل إناء بما فيه ينضح” وكاتبنا عابد لا يخفى على أحد من قرائه ومتابعيه العمق الذي يكتب ويفكر به.

هل هو حوار أم صراع؟ تقوم عليه نشأة وبداية أي مجتمع في العالم بين المال والوعي (المعرفة)، يرغب المال في أن يسيطر على المعرفة، أن يقيد الوعي ويحد من تحركاته، أو أن يكون بإرادته وتحت نظره وتصرفه، إذا خرج عن المسار وتمرد يحدث الصدام، وتنشأ الصراعات وتنقسم المجتمعات، إلى يمين ويسار.

ما يهم رأس المال الغربي هو السيطرة على ثروات العالم الثالث، بأي طريقة، ومن يقف في طريقه يحاول إزاحته بالحيلة أو الإغراء، وإذا لم تنفع تلك الطريقة يأتي دور القوة، ما حدث مع بداية تشكل وتكوين مجتمع الربع الخالي الحديث، هو ما حدث في مدن الملح مع عبد الرحمنٰ منيف، مع متعب الهذال، بدايات الرفض الأول أو لنقل الوعي الذي كان يفكر فيما بعد استخراج الذهب الأسود ويطرح أسئلته الخاصة بينه وبين نفسه في البداية، لماذا؟ وكيف؟ ومن المستفيد؟

هي أسئلة عندما خرجت إلى حيز الوجود أصبحت تشكل خطراً، وخطرا كبيراً على المحتل الغربي الذي حاول بشتى الطرق إسكاته في البداية بالحوار بين متعب الهذال وابن راشد. لم تفلح تلك الجهود ولم يعد أمام المحتل إلا لغة القوة، خرج متعب الهذال من مدن الملح لكن أفكاره لم تخرج معه، البشر يرحلون إما بالموت أو النفي، ولكن هل ترحل أفكارهم معهم هذا ما لم يفهمه المحتل، وإلى اليوم وما يحدث من صراع في فلسطين أكبر دليل على ذلك.

المال والمصلحة والدين كانت بداية انطلاق الحديث، إذ يقول عامر الخماش في الصفحة ١١: “وأنا أنتمي إلى إحدى العائلات القبلية المعروفة، ونحن من شيوخها أو كبار عائلاتها، وكنا تبعاً لذلك نتقاضى قاعدة سنوية من الدولة”.

هنا يشير إلى بداية تكون الدولة وكيف كان المال والقبلية عنصرين أساسيين في تشكل الربع الخالي، حيث المال يدفع لمن له تأثير أكبر وسلطة في عشيرته لكي يضمن ولاءها، ولكن الدفع لا يكون بسخاء دائماً، لكي لا يطمع، ولكي يبقى محتاجاً ويلبي ما تطلبه منه، طمعاً بالمزيد.

هل هذان العنصران وحدهما يكفيان لتحقيق الهدف؟

لا بالطبع فهناك عنصر ثالث سماه كارل ماركس “أفيون الشعوب” وهو الدين؟ ولما لهذا العنصر من تأثير في حياة الشعوب، بالسيطرة تارةً وبالحد من تقدمها تارةً أخرى، هنا تكتمل الأركان الثلاثة التي نشأت عليها مدينة الربع الخالي، المال والقبلية والدين، ولكن هل هذا الثالوث كافٍ لنشأة مجتمع متقدم..؟

لا ولكنها هي العناصر التي تتيح للمحتل الغربي السيطرة على ثروات البلد، هي مواد خام في يد المحتل يعيد صياغتها لتوافق مصالحه، بأن يبقى أهل البلد في صراع دائم مع بعضهم، لا ينتهي أبداً إلا بظهور بذور الوعي، الذي يصحح مفاهيم خاطئة تعيد توازن واستقرار المجتمع، لأنه دون استقرار لن ينعم بالتقدم، والوعي كان محاربا منذ البداية من المحتل، خوفا من اليقظة، وما حدث في ذلك الزمان والآن من صراعات مذهبية في الوطن العربي والإسلامي خير شاهد على ما يفعله المحتل الغربي من أجل بقائه على شكل احتلال فعلي حقيقي أو احتلال خفي.

هي خيوط ثلاثة كانت واضحة منذ بداية الرواية رغبة من عابد خزندار ـ وحرصاً منه على ـ أن يمسك القارئ بتلك الخيوط الواضحة ليفك بها بعض الغموض الذي قد يساعده على فهم الرواية. فالكاتب لم يكن مثل منيف روائياً صاحب نفَس طويل بحيث يأخذ القارئ على مدى خمسة أجزاء أكثر من ألفي صفحة، ليسرد تاريخا طويلا بمنتهى الروعة الأدبية وكأنه يحاكي ألف ليلة وليلة، بكل التفاصيل الدقيقة والممتعة والسهلة فهماً للقارئ العادي أو لنقل لفهم جزء كبير منها، وهي لم تكن الرواية الأولى لمنيف، بل أتت بعد كتابة أربع أو خمس روايات، بينما عابد خزندار كل أعماله الإبداعية فكرية، بسبب تكوينه الفكري الخاص، وبعد ذلك يأتي عنصر مهم يضغط على الكاتب العربي وهو عنصر الخوف، الذي كان يضغط على عابد بحكم عيشه المستمر في الربع الخالي.

بينما منيف يكتب وهو متجرد من الخوف نسبيا، بحكم عيشه خارج مدن الملح وعدم تأمله للعودة، كما أن اسم منيف أصبح علما من الممكن أن يتحصن به ليحميه من الخوف أو أي تردد قد يقع به.

المدخل الأول للمحتل هو الطمع، جشع الإنسان الراغب بامتلاك كل شيء وبأسرع الطرق دون تعب، الحلم بثروة، كل ذلك كان على مرأى ومسمع المحتل، لم يكن بحاجة لجهد كبير لفهم بعض شخصيات الربع الخالي، فطمعهم هو من يكشفهم أمامه، ويتركهم لعبة بين يديه، يسهل تحريكها.

الطمع باب من أبواب الفساد، فمن يدخله يسهل عليه بعد ذلك التفريط في كل مبادئه الدينية أو الاجتماعية من أجل المال، أو محاولة إيجاد مبرر لكل تصرفاته كي لا تتعارض مع مصالحه.

وهذا ما فعله عامر الخماش عندما سُئل عن ثروة والده إذ يقول في الصفحة ٣٥” “قاطعته غاضبا: ولكن كيف حصل والدك فجأة على كل هذه الثروة؟

-من المضاربة في الأراضي فقد كثرت الفلوس في يد الناس، ولم يجدوا كما قال لي اللبناني الذي يعمل لدى والدي شيئا يستثمرونه فيه سوى الأراضي خصوصا وأن إيداعها في البنوك يعني ارتكاب المحرم.

قلت: ولكن القمار محرم أيضا!!

-هذا من الهنات ثم إني لا أضر أحدا عندما أقامر، أرجو أن تعفيني من فلسفتك فستقول لي أيضا إن العلاقة بالنساء محرمة مع أن الله يغفر الذنوب جميعا، والمهم هو المحافظة على الصلاة والحقيقة أنني لم أقصر في فرض واحد عندما عشت في أمريكا”.

اقرأ الحلقة السابقة وما قبلها

3] غليان الربع الخالي