[40 حكاية: 4] لطمة معلم استمرّت “غبنتها” 30 سنة
![[40 حكاية: 4] لطمة معلم استمرّت “غبنتها” 30 سنة](/img/w1200.webp?u=https%3A%2F%2Fwww.sobranews.com%2Fwp-content%2Fuploads%2F2018%2F12%2F%D9%85%D8%B5%D8%B7%D9%81%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B9%D9%84%D8%A9-2.jpeg)
مصطفى الشعلة
كنتُ حينها في الصف الثاني الابتدائي؛ عندما داهمني الأستاذ بلطمة على وجهي!
كان مُنزعجًا من أصواتِ التلاميذ، خصوصًا عندما كانً يديرُ ظهرَه ليكتبَ شيئًا في السبورة، فترتفع أصواتُ التلاميذ بـ “الهدرة والسوالف”. اسشتاطَ غضبُه منهم.. أدار ظهره نحونا، واتجه صوبي بسرعة ورفع يدَه ولطمني على وجهي بقوة!
سامحك الله يا أستاذي، لم تكن تعلم أولًا أنّي لم أكن السبب في “هدرة الطلّاب”، فقد اشتبهَت عليك الأصوات، وهل تعلم ثانيًا أن “اصطارك” كان مؤلمًا ومُهيناً جدّا، وما زال ارتجاجُ رأسي بسببه في ذاكرتي بعد أكثر من ثلاثين عامًا.. كأني تلقّيت “أصطارك” أمس!
عدتُ إلى البيت والغبنة محمرّة في عينيّ.. اسودّت الدنيا في وجهي وفي خاطري ألف دمعة!
بالرغم من هذه القصة الأليمة أعتقدُ أنّي كنتُ أحسن الطلّاب حظًا فلم ينلني ضربٌ كما نالَ أقراني وزملائي. ذاكرةُ طفولتي مليئةٌ بقصص الأساتذة القساة والضرب المؤلم. كان أحد الأساتذة يتفنن في أساليب الضرب.
كان يدخلُ القلم بين أصابع التلميذ الصغير ويضغط بقوة على يده الصغيرة، حتى يكاد يكسر أصابعه من شدة الضغط! أستاذٌ آخر مشهورٌ بـ “الفَلَقَة”، وطريقتُها أن يُجلسُ التلميذ على الكرسي ويرفع قدميه إلى الأعلى بمساعدة تلميذٌ آخر، ثم يضربه بقوة على باطن قدميه بخيزرانة كبيرة.
ما إن ينتهي الأستاذ من جلسة التعذيب تلك؛ حتى يصل التلميذ إلى حال العجز عن الوقوف على قدميه من شدّة الألم.
أستاذٌ آخر كان مشهورًا بـ “القرابيع”، وهي ضرب سقف الجمجمة بعظام مفاصل الأصابع. إنها طريقة مؤلمة، خاصة حين تتركز الضربة بمفصل الإصبع الوسطى. تُصبح الضربة كأنها ضربة آلة مدبّبة في مكان صغير جداً من الجمجمة.
الغريب أن معظم هؤلاء الأساتذة من الوافدين العرب. لا أعرف ما السر من وراء هذه العنف العجيب! والمُشكلة أن عقليّة الكثير من الآباء السابقين كانت مبنيّة هي الأخرى على نظريّة “خذ ابني لحم ورجعه عظم”، وكأن الضرب هو من يصنع منه رجلًا!
المُضحك المُبكي أن بعض أسباب الضرب سخيفة جدّاً. أتذكر أستاذًا من الوافدين العرب (أتحفظ عن ذكر الدولة) يسأل كلّ طالب عن إفطاره الصباحي فإذا كان خاليًا من البيض يضربه ضربًا مُبرحًا! لا تعليق!
في علم النفس يُنظر إلى الضرب على أنّه أضعف وسيلة للتربيّة، فقد ينصاع الطفل إلى الأوامر عند ضربه في الحال ولكن على المدى البعيد قد يصنع الضرب من الطفل شخصيّة عدوانيّة، أو على العكس يصبح إنسانًا ضعيف الشخصية مهزومًا. من محاسن التعليم هذه الأيام أنها وضعت قوانين صارمة ضد من يعتدي على أحد طلابه بالضرب تصل إلى الحبس لمدة لا تقل عن ستة شهور(1).
في المُقابِل ذاكرة طفولتي مليئة بقصص جميلة أبطالُها أساتذة ومعملين رحلوا بعدما تركوا أثرًا طيّبًا! أتذكر في نفس العام الذي لطمني ذلك الأستاذ على وجهي، هناك أستاذٌ آخر عندما قرأت قطعة عربيّة بإتقان صفّق لي بحرارة وطلب من بقية التلاميذ التصفيق لي فانتشيتُ فرَحًا وسعادة فلا الأرض تحملني ولا السماء تَسعني من فِرط سعادتي!
أيها الآباء.. أيتها الأمهات.. أيها المعلمّون.. أيها الكبار.. انتبهوا جيدًا.. فذاكرة الطفل حديديّة لا تنسى أبدًا. قد نعتبر ما نقوم به تجاه الأطفال سلبًا أو إيجابًا أمراً تافهًا لا قيمة له، لكنه بالنسبةِ إليهم أمرًا عظيمًا وسيتذكرونه جيّدًا حينما يكبرون، فانتبه أن تترك شيئًا سيئًا في ذاكرة الأطفال من حولك كما فعل أستاذي الذي لَطمني على وجهي قبل أكثر من ثلاثين عامًا وأنا أتذكّر القصة وكأنها الأمس. في المُقابِل لا تدّخر جُهدًا في إيداع الذكريات الجميلة فيهم كما فعل الأستاذ الذي أشاد بقراءتي وطلبَ من تلاميذ الصف التصفيق لي!
اترك أَثرًا طيّبًا في نفوسِ الأطفالِ من حولك اليوم.. ستُخلّد به في المُستقبل!
#أربعونحكايةفي_أربعين_عامًا
————–
(1) ضرب الأطفال في المدارس – سناء الدويكات – موضوع (أكبر موقع عربي بالعالم)



