الثلاثاء 13 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

السرطانات بين الشباب.. تزايد جديد

صُبرةالخميس 27 فبراير 2025، 11:52 ص
السرطانات بين الشباب.. تزايد جديد

ترجمة عدنان أحمد الحاجي

عندما كانت بياتريس ديونيجي Beatrice Dionigi في كلية الطب قبل خمسة عشر عامًا، تعلمت أن سرطان القولون – المعروف منذ فترة طويلة باسم “القاتل الصامت” بسبب قدرته على الانتشار دون أن يُكتشف – مرض الشيخوخة يصيب كبار السن في خمسينيات العمر وما فوق. لكن منذ أن بدأت مسيرتها المهنية كجراح قولون ومستقيم، وجدت نفسها تجري عمليات جراحية لمرضى أصغر سناً بكثير مما كانت تتوقع.

“أرى الآن بشكل روتيني أشخاصًا في الثلاثينيات والأربعينيات من العمر، وكثير منهم يعانون من مرض سرطان متقدم.” “في كل عام، يصبح المرضى المصابون بالسرطان أصغر وأصغر سناً،” حسبما قالت ديونيجي، الأستاذ المساعد في الجراحة في المركز إيرڤينغ الطبي Irving Medical Center التابع لجامعة كولومبيا (CUIMC) ،

وتعكس تجربة ديونيجي اتجاهاً على مستوى العالم مثيراً للقلق: إذ تثبت الأبحاث أن أعداداً متنامية يصابون بالسرطان في مرحلة الرشد المبكرة [ بين سن الـ 20 إلى 39 عامًا، بحسب التعريف] وفي منتصف العمر [ بين سن 45 إلى 65 عامًا، بحسب التعريف]، وبارتفاعات حادة في الإصابة بسرطانات الجهاز الهضمي بشكل خاص ــ بما فيها سرطان القولون والمعدة والبنكرياس ــ وسرطاني الثدي والرحم. توصلت دراسة حديثة إلى أن حالات الإصابة بسرطان الجهاز الهضمي لدى الأميركيين الذين تقل أعمارهم عن الخمسين ارتفعت بنسبة 15 في المائة بين عامي 2010 و2019، في حين ارتفعت حالات تشخيص سرطان الثدي لدى النساء دون سن الخمسين بنسبة 8 في المائة. ويقول الخبراء إن هذه الاتجاهات محيرة، نظرًا لانخفاض معدلات الإصابة بالسرطان بين كبار السن في السنوات الأخيرة.

“من الواضح أننا بدأنا نلاحظ أن هناك شيئًا مختلفًا عما كان يحدث في السابق، مما جعل الشباب والشابات معرضين للإصابة بالسرطان بطرق لم تكن الأجيال السابقة معرضة لها،” كما قالت ريبيكا كيهم Rebecca Kehm، باحث في علم الأوبئة السرطانية في كلية ميلمان للصحة العامة في جامعة كولومبيا. وتقول كيهم إن الارتفاع فيما يسمى بالإصابة بالسرطانات في سن أبكر مما كان معهودًا في السابق لا يمكن تفسيرها بالتحسن في فرص الحصول على فحص السرطانات، لأن الزيادات تحدث حتى بين صغار (أو صغيرات) السن الذين لم يؤهلهم صغر سنهم بعد لإجراء فحوص روتينية، مثل تصوير الثدي بالأشعة السينية (المامغرام) أو فحص القولون بالمنظار. ولا يمكن للوراثيات (الجينتكس) أن تبرز هذا الارتفاع في عدد الاصابات. الطفرات الجينية الموروثة [التي ورثها الشخص من أبويه (١)] مثل طفرات BRCA لسرطان الثدي والمبيض وعدد قليل من الطفرات المرتبطة بسرطان القولون والمستقيم وسرطان بطانة الرحم هي عوامل خطر موثقة جيدًا (2)، ولكن انتشارها في السكان ظل ثابتًا بمرور الزمن. وتقول كيهم: “إذا كانت الطفرات الجينية هي التي تدفع بهذا الاتجاه في تصاعد أعداد المصابين والمصابات بالسرطانات، فإننا نتوقع ارتفاعات تدريجية على مدى أجيال متعددة قادمة – لا ارتفاعات حادة نشهدها في غضون بضعة عقود.”

إذن، ما سبب ارتفاع معدلات الإصابة بالسرطان في مرحلة عمرية مبكرة؟ لدى الخبراء عدة نظريات. ويزعم البعض أن ارتفاع معدلات السمنة بين الشباب هو السبب، حيث أن الأنسجة الدهنية المتراكمة يمكن أن تؤدي إلى التهابات مزمنة ونمو خلايا سرطانية. الدراسات التي أجريت على عدد كبير من السكان دعمت هذه الفكرة بشكل عام، حيث ربطت السمنة بزيادة احتمالات الإصابة بالعديد من أنواع السرطان، بما فيها سرطان الثدي والقولون. ويزعم خبراء آخرون أن السمنة قد تكون بمثابة مؤشر على العوامل الأساس المسببة للسرطان، مثل الوجبات الغذائية السيئة [الأنظمة الغذائية الغنية بالسكريات والدهون المشبعة والدهون المتحولة والأطعمة قليلة الألياف والمشروبات الغنية بالسكر] وأنماط الحياة الخاملة (الخالية من النشاط) (3).

الدراسة التي يقودها أخصائي أمراض الجهاز الهضمي في مركز إيرڤينغ الطبي Irving Medical Center التابع لجامعة كولومبيا جويل تي غابري Joel T. Gabre، ودينيجي، وأخصائية الأورام الطبية يوانا إس بومبالوفا Yoanna S. Pumpalova، على أبحاث سابقة قرنت بين الأطعمة فائقة المعالجة [التي تستعمل مواد لا تستعمل عادة في المطبخ، مثل المواد الحافظة والمستحلبات والمحليات والألوان والنكهات الاصطناعية (4)] بسرطان القولون، مما يعطينا أول دليل جزيئي على أن النظام الغذائي قد يلعب دورًا محوريًا في الاصابات بحالات السرطان في سن مبكرة. وجد فريق غابري مؤشرات على أن بعض الأحماض الدهنية الموجودة في الأطعمة المصنعة – بما فيها زيوت فول الصويا والذرة وعباد الشمس – يمكن أن تعطل ميكروبيوم الجهاز الهضمي وتسبب التهابًا مزمنًا، مما يؤدي إلى الإضرار بالحمض النووي وإثارة تغييرات خبيثة. يقول غابري، الذي قارن فريقه عينات أنسجة من عشرات المرضى المصابين بالسرطان في سن مبكرة وفي سن الشيخوخة: “قد تؤدي الدهون الزائدة في الجسم [الدهون الزائدة في الجسم حين يصبح مؤشر كتلة الجسم أعلى من 25 ، بحسب التعريف] إلى تضخيم هذه العمليات، ولكن لا يبدو أن السمنة في حد ذاتها شرط ضروري للإصابة بسرطان القولون في سن مبكرة – أو حتى تكون المحرك الأساس للإصابة بهذا السرطان.”

ولفت غابري الأنظار إلى أن هناك حاجة إلى المزيد من الدراسات، بما فيها التجارب على نماذج الفئران، لتأكيد النتائج التي توصل اليها. ومع ذلك، فهو يعتقد أن بياناته تدعم فرضية اكتسبت زخماً في الآونة الأخيرة في دوائر الصحة العامة: وهي أن وباء سرطان القولون في مرحلة مبكرة (مرحلة الشباب) هو نتيجة لتحول أساسي في التغذية البشرية] (٥). ويقول: “بدءً من الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، بدأ الناس في الولايات المتحدة وغيرها من الدول الصناعية في تناول أنظمة غذائية مختلفة تمامًا، غنية بالأطعمة السريعة والمكونات فائقة المعالجة (5).” “قد نشهد في الوقت الحاضر ما يحدث عندما تكبر أجيال بأكملها وهم يستهلكون هذا النوع من الأطعمة فائقة المعالجة.”

النظرية، إذا كانت صحيحة، فإنها قد تساعد في تفسير لماذا الكثير من الشباب الأصحاء مصابون بسرطان القولون مع عدم وجود سمات متوقعة تساعد على الإصابة بهذا المرض لديهم، كزيادة في وزن الجسم أو أي عوامل احتمال أخرى واضحة المعالم،” كما قال غابري. “لقد أجريت عمليات جراحية لعدائي الماراثون، وراقصات أو راقصي الباليه، وكذلك الذين لا يتعاطون الخمور، أو يدخنون، أو يأكلون لحوم حمراء.” وهذا قاد غابري إلى الاعتقاد بأن الأنماط الغذائية الضارة في مرحلة الطفولة المبكرة قد تسبب أضراراً دائمة، حتى في الذين يتبنون فيما بعد عادات صحية في الأكل. وقال: “هذا يفيد بأننا بحاجة إلى إجراء المزيد من الدراسات طويلة الأمد حول تأثيرات التغذية في مرحلة الطفولة، ولذا علينا أن نفكر مرتين بنوع الغذاء الذي نطعمه أطفالنا قبل إطعامهم إياه.”

وتفيد نتائج الأبحاث الجديدة التي أجرتها كيهم بأن خيارات نمط الحياة [فترة النوم وخيارات الأغذية والإجهاد النفسي، بحسب التعريف]، في مرحلة الطفولة قد يكون لها تأثير دائم في احتمال الإصابة بسرطان الثدي أيضًا. وفي دراسة (6) نشرت في يناير 2025 في مجلة Cancer Epidemiology, Biomarkers and Prevention. وجدت هي وعدد من زملائها أدلة على أن انخفاض مستويات النشاط البدني بين المراهقات والشابات قد يكون سبباً في زيادة الإصابة بسرطان الثدي في سن مبكرة. وجد فريق كيهم، في تحليل البيانات السلوكية والطبية المفاد بها ذاتيًا من 26 ألف امرأة في الولايات المتحدة وكندا وأستراليا ونيوزيلندا، أن النساء اللاتي يمارسن نشاطًا رياضيًا عاليًا بين سن الثانية عشرة والرابعة والثلاثين تقل نسبة إصابتهن بسرطان الثدي بمقدار 20٪ قبل بلوغهن سن الأربعين، مقارنة باللاتي يمارسن تمارين رياضية بسيطة.

وأثبتت دراسات سابقة أن النشاط البدني يمكن أن يقي من سرطان الثدي وذلك بتنظيم مستويات هرمون الاستروجين، وتقليل الالتهابات المزمنة، والحد من الإجهاد التأكسدي (7) – وهي العمليات البيولوجية التي يمكن أن تؤدي إلى نمو الورم السرطاني عندما لا يتم التحكم فيها. ولكن دراسة كيهم الجديدة هي الأولى التي أثبتت أن مقدار التمارين الرياضية التي تقوم بها المرأة مهمة لو بدأتها مبكرًا من مرحلة المراهقة، وأن المداومة على النشاط البدني قد توفر وقاية خصوصًا ضد الاصابة بسرطان الثدي في سن مبكرة. وتظن أن السبب في ذلك هو أن البلوغ يعد فترة حرجة لاحتمال الإصابة بسرطان الثدي، بسبب التباين الكبير في مستويات هرمون الاستروجين. وتقول كيهم، التي تبحث أيضاً في الآليات البيولوجية للدور الذي يلعبه النشاط البدني في منع تشكل الأورام في الثدي: “يبدو أن تنظيم مستويات هرمون الاستروجين خلال هذه الفترة له أهمية خاصة. “والجدير بالذكر أن فريقها وجد أن التمارين البدنية تساعد على الوقاية من الاصابة بسرطان الثدي في سن مبكرة بغض النظر عن مؤشر كتلة جسم الفتاة. وتقول: “يجب أن تكون الرسالة الموجهة للفتيات المراهقات هي المداومة على نمط حياة صحي بشكل عام، والحفاظ على نشاط بدني كمكون أساس من مكونات الحياة اليومية، لا فقط التركيز على وزن الجسم ومؤشر كتلة الجسم.”

بالنسبة للنساء الشابات اللاتي قد يكن بالفعل في طريقهن إلى الإصابة بسرطان الثدي، فإن استراتيجيات تقييم المخاطر (8) الجديدة يمكن أن تقدم أساليب جديدة للتدخل. وتقوم لورين هوتون Lauren Houghton . باحث الأمراض السرطانية في جامعة كولومبيا، حالياً بدراسة إمكانية قياس مستويات الهرمونات لدى النساء كوسيلة لتحديد أي منهن هي الأكثر احتمالًا للإصابة بالمرض. وتقول إن مثل هذه الأساليب قد تفتح الباب يومًا ما لاستراتيجيات الوقاية المستهدفة – سواء بممارسة التمارين الرياضية، أو تغيير نمط الحياة، أو الفحص المبكر. وتقول هوتون: “إذا تمكنا من تحديد أيهن الأكثر احتمالًا للإصابة وهن لا يزلن في سن مبكرة، فقد نتمكن من إيقاف المرض قبل أن يبدأ.”

بالرغم من أن عوامل خطر الاصابة التي حُددت حديثًا، مثل الأطعمة المصنعة (أو المعلبة فائقة المعالجة) وأنماط الحياة الخاملة تخضع للتدقيق، فإن كيفية مقارنتها بمخاطر الإصابة بالسرطان المعروفة جيدًا تظل سؤالًا مفتوحًا. لقد عُرف منذ فترة طويلة بأن التدخين والإفراط في تناول الكحوليات وتناول كميات كبيرة من اللحوم الحمراء من الأسباب الرئيسة للإصابة بسرطان القولون والثدي. ولكن لفهم التأثير النسبي لهذه العوامل وغيرها في الاصابة بالسرطان في سن مبكرة، يقول الباحثون إن هناك حاجة إلى دراسات تتبع الناس إبتداءً من مرحلة الطفولة فصاعدا.

وتقول كيهم: “ركزت معظم الدراسات على مخاطر الإصابة بالسرطان على التعرضات التي تتراكم على مدار مرحلة الرشد.” “لقد بدأنا للتو في اكتشاف مدى تأثير نمط الحياة والعوامل البيئية في الأشخاص في بواكير حياتهم. “سنحتاج إلى دراسات أكبر على الأطفال والمراهقين والشباب لتحديد كيف تتفاعل عوامل الخطر المختلفة بمرور الزمن – ومتى يمكن أن تصبح التدخلات أكثر فعالية.”

ــــــــــــــــــــــ

مصادر من داخل وخارج النص

1- https://blog.dana-farber.org/insight/2023/04/acquired-vs-inherited-mutations-in-cancer-what-you-need-to-know/

2- https://ar.wikipedia.org/wiki/طفرة_BRCA

3- https://ar.wikipedia.org/wiki/نمط_الحياة_الخامل

4- https://aiss.co/ultra-processed-foods/

5- https://ar.wikipedia.org/wiki/تغذية_بشرية

6- https://profiles.foxchase.org/en/publications/physical-activity-during-adolescence-and-early-adulthood-and-brea

7- https://ar.wikipedia.org/wiki/إجهاد_تأكسدي

8- https://ar.wikipedia.org/wiki/تقييم_المخاطر

المصدر الرئيس

https://magazine.columbia.edu/article/why-are-so-many-young-adults-getting-cancer