توأمان في الحنين

أديب الخنيزي
أهدي هذه القصيدة لأخي الغالي الشاعر المبدع الأستاذ جاسم الصحيح وهو ليس مديحاً فحسب وإنما اعتراف بالانتماء ومكانته الإبداعية الشعرية المميزة.
جاسمْ،
حينَ تكتبُ،
تشهقُ الأحساءُ،
وينفرطُ الضياءْ،
ويقومُ نخلُكَ في القصيدةِ واقفًا
كالعاشقِ الأعمى،
يرى
بالنبضِ ما أطفأَ المساءْ.
من أين تأتي؟
من رطوبةِ جُرحِنا؟
أم من غبارِ السَّعْفِ
حينَ يُلوّحُ التعبانُ للغرباءِ؟
من أين هذا الضوءُ؟
هل نسجتَهُ
من خيطِ أغنيةٍ
تُردِّدها الطفولةُ
في “الحي” القديمْ؟
هل كنتَ تصعدُ
من “عيونِ الجوهريةِ”
نحو أعلى النخلِ،
تبحثُ عن سماواتِ الكلامْ؟
جاسمْ،
كأنَّ البحرَ في “تاروتَ”
يُصغي لكْ،
كأنَّ اللؤلؤَ المذبوحَ في أعماقِ “القطيف”
حينَ تنشدهُ
يُضيءْ.
كأنّك حينَ تنفخُ في القوافي
يستفيقُ البحرُ،
ويخرجُ من سباتِ الغوصِ:
مَلحٌ،
ثمّ مجدٌ،
ثمّ لؤلؤةٌ،
ثمّ القصيدةْ.
أحساءُ
كانتْ تُمسكُ الكلمات
في كفِّ الحنينْ،
وتعلّقُ الأحلامَ
في “القيصريّةِ”،
بين عطرِ الهيلِ،
والقهوةِ،
وأنفاسٍ البخور،
ما بينَ نخلةِ “هَجَرَ”، والنخلِ الذي
يتفيّأُ الأمواجَ في “القطيفِ”… وشيجةْ؛
هذي تُمدُّ الظلَّ في وهجِ الضُّحى،
وتلكَ، تزرعُ في المدى نبضَ البُريجَةْ.
تتبادلانِ الملحَ، والأنفاسَ، والخطواتِ،
والأسرارَ من زمنِ الحنينْ.
فإذا تنفّستِ “القطيفُ”، أضاءَ وجهُ “الأحساءْ”،
وإذا تكلّمتِ “هَجَرٌ”، فاضَ في قلبِها
صوتُ الأنينْ.
جاسمْ،
أنتَ القصيدةُ حينَ تُمتَحَنُ الخيوطُ،
وتنكشفُ البداياتُ القديمةْ.
أنتَ الذي،
ما بينَ “أحساءٍ” و”قطيفٍ”،
خطَّ خارطةَ الهوى
بالجذرِ والرعشةْ،
بالحرفِ والصلصالِ،
بالنخلِ المُعمّدِ بالقصيدةْ.
يا مَن إذا مرّتْ يداهُ
على الحروفِ،
أزهرتْ أشجارُنا،
وغفَتْ ملوحتُنا الجريحةُ في المدى.
يا مَن على شفتيهِ
ينامُ الرملُ،
يُصلّي الماءُ،
وتنطقُ في خُطاهُ
ضفائرُ الأرضِ القديمةْ.
كلُّ الجهاتِ إذا نطقتْ،
سألتْ:
أما مرّ الصحيحُ هاهنا؟
أما عزفَ القصيدةَ مثلما تُعزَفُ المواويلُ
اليتيمةْ؟
جاسمْ،
هذا مديحٌ
من نخيلٍ لم يجدْ لغةً
سواكَ،
ولا نشيدًا
غيرَ ما كتبتْ يداكْ.



