أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أخبارهم

عبدالله القديحي التاروتي.. سيرة شرف عمرها 77 سنة

صُبرةالجمعة 26 ديسمبر 2025، 4:15 م
عبدالله القديحي التاروتي.. سيرة شرف عمرها 77 سنة

عبدالجبار آل سلاط

في ليلة الجمعة 27 جمادى الآخرة 1447هـ الموافق 18 ديسمبر2025 م، ومع الطقس البارد الممطر، ومن مغتسل مقبرة تاروت، يحتشد جمعٌ غفيرٌ من المؤمنين للصلاة على جثمان المرحوم الحاج عبد الله القديحي “أبو محمد” ويشيعونه إلى مثواه الأخير بعد عمر مجيد أفناه في السعي للرزق الحلال، وخدمة المؤمنين.

ولد المغفور له الحاج عبد الله بن معتوق بن محمد القديحي في اليوم الأول من شهر رجب المرجب عام 1370هـ الموافق الثامن من شهر أبريل عام 1951م في جزيرة تاروت، من أبوين كريمين أهتما به، ورعياه أفضل رعاية، هو وأخويه أحمد وحسن.

أمهم الفاضلة الحاجة تحفة بنت علي آل قمبر.

وهو صغير كان يتردد على بيت خالته، المرأة الصالحة المؤمنة فاطمة بنت علي قمبر زوجة الرجل التقي الصالح الملا خليل والد سماحة الشيخ محمد أبو زيد وأخوته الأطياب.

الملا خليل أبو زيد

وهناك وجد الفقيد ضالته، حيث قربه الملا خليل ورعاه واهتم به وشجعه على القراءة منذ صغره، لذا غرس في نفس القديحي حب المعرفة، والملا خليل “عليه الرحمة” يناقشه فيما يقرأ، فيجد عند هذا الطفل نباهة وحفظ الذاكرة، وهذا ما جعله يطوي المرحلة الابتدائية في سنتين لأنه لم يدخل المدرسة إلا متأخراً، فقد كان يعمل وهو طالب و صغير السن مع الوجيه الحاج محمد تقي آل سيف “رحمه الله” في تزويد شركة أرامكو بالخضروات.

في المعهد الصحي

بعد ما أنهى الدراسة المتوسطة توجه للمعهد الصحي بصفوى، ونجح في اختبار القبول بتفوق، وبدأ الدراسة عام 1389/1390هـ لمدة ثلاث سنوات، ونظام الدراسة في المعهد هو: سكن داخلي مع تناول الوجبات الثلاث، عدد الطلاب في الغرفة حسب سعتها، وفصول الدراسة وإدارة المعهد في الدور الأرضي، والمطعم في الدور العلوي، وهو شبيه بمستشفى القطيف العام الواقع في حي الشويكة مدخل القطيف.

حينما انتسبت للمعهد عام 1391هـ تعرفت على القديحي وكنت في السنة الأولى وهو في سنة التخرج، فلاحظت عليه كثير القراءة والاطلاع، فأخبرني زملاؤه أنه شغوف بالقراءة ولا يضيع وقته فيما لا ينفع.

معهد صفوى الصحي

وكنت التقي معه في المطعم وأجلس معه على طاولة واحدة لأستمع إلى نصائحه و أحاديثه الشيقة، وعادة ندرس في المعهد صباحاً وأحياناً عصراً أو مساءً بعد تناول وجبة العشاء، ويُسمح لنا بالخروج بعد ظهر يوم الخميس ونعود مساء الجمعة قبل صلاة المغرب.

ومن زملاء القديحي السيد أحمد العوامي وعلي جابر قريش “فني صيدلي” والمرحوم جعفر حيان والمرحوم رضي غنام “فني عمليات”، والمرحوم علي أوال أبو خيري “فني صيدلي” وكان الأول على الدفعة، و القديحي “فني صيدلي” الثاني على الدفعة، و كان ينافس أوال على المركز الأول.

طبعاً علي أوال عُين معيداً في المعهد وبعد فترة قصيرة عاد للعمل فني صيدلي في مستشفى الدمام المركزي بينما القديحي عُين في مستشفى الصدر بالدمام، وقد تخرجوا جميعاً عام 1391/1392هـ .

التوجه للعمل الحر

أبو محمد القديحي طموح ومجازف، ففي عام 1410هـ الموافق 1990م ترك الوظيفة الحكومية وتوجه للمقاولات ليواكب فترة الطفرة، توسعت البلاد وانتشرت المخططات السكنية، وبدأت البلاد تجلب اليد العاملة لمواكبة حركة التنمية والعمران. من هنا شرع القديحي في مشروعه، وأضاف مشروع بيع الحجر والسراميك، ففتح محل في تاروت والآخر في شارع القدس باسم قصر تاروت، وظل فترة من الزمن ثم حصر عمله في السراميك والحجر وتخلص من المقاولات.

الصيدلي العائد

لكنه في عام 1435هـ وقبل سنتين من سن التقاعد عاد إلى وزارة الصحة للعمل كصيدلي، وبعد التقاعد توجه للعمل في المحاماة بعد أخذ دورات وكتب في هذا التخصص، وقد نفعته كثرة اطلاعه وغزارة ثقافته في أخد موقعه في هذا السلك من العمل.

عشرة الناس

الوجيه الحاج عبد الله القديحي رجلٌ كريم وصاحب خلق عالٍ ومتواضع جداً، ولحبه لمعاشرة الناس بنفسٍ صادقه تراه يدعو جميع أفراد دفعته من المعهد الصحي كل عام على وجبه غداء، واستمر هذا العادة الحسنة حتى حرب الخليج، ولا شك إن هذا الدعوة تكلفه من المال الكثير، بالاضافة إلى الجهد النفسي والجسمي، ويعرف في تاروت أنه رجل مضياف، دائما وأبداً تجد عنده العزائم بمناسبة وبدون.

عمل اجتماعي

من ناحية العمل الاجتماعي التطوعي، تجد أبو محمد رجل معطاء وبسخاء للجمعيات الخيرية والمحتاجين، وبعضهم يزوره في محله قصر تاروت ولا يخرج إلا بحاجته.

القديحي بذل جهود جبارة من خلال برنامج الموارد البشرية لتدريب أبناء الأسر المستفيدة من الجمعيات الخيرية، حيث سعى بجهوده الخاصة بتسجيل مجموعة كبيرة من الشباب والشابات على مستوى المحافظة القطيف، و سيهات، وجزيرة تاروت، للحصول على دبلوم من المعاهد الصحية وكذلك معاهد الغاز والبترول الأهلية، وبهذا مكنهم من التوظيف والعيش الشريف.

أبو محمد -رحمه الله- من الناس القلائل الذين يخدمون ويساعدون أبناء المجتمع بعيداً عن الضجيج والصخب الإعلامي.

المتواصل

يخجلني أبو محمد كثيراً حينما يتصل بي بين فينة وأخرى للسؤال عني وعن أحوالي ويدعوني لزيارته، يزورني في مكتبي العقاري بشارع الرياض ويعرض علي عقاراته لكي أستفيد فقط، أتذكر مرة أعطاني رقم شخص في جهة رسمية ترغب الحصول على مبنى لتقديم خدماتها للمواطنين بالقطيف، وسعيت لهم وعرضت عليهم خيارات متعددة وأخيراً استقروا على إحدى العمائر الجديدة في شارع الرياض، وعندما حصلت على السعي من صاحب العمارة اتصلت بالقديحي وقلت له أبو محمد حصتك من السعي جاهزة، فقال هي لك كلها أردت لك الخير.

في الميقات

التقيت به مرة في عمرة رجبية في ميقات الطائف، وكان معنا في نفس السيارة الكشف التابعة للحملة، فاشترى فاكهة وخياراً وعرضها للجميع للأكل وقال كلوا من الخيار فإنه يخفف عليكم العطش.

كم أنت طيب وكريم يا أبا محمد.

الناصح

حينما كنت أبني حسينية المودة بحي الرضا عام 1423/1424هـ ذهبت إليه في محل قصر تاروت بشارع القدس، فنصحني بشراء نوعية ممتازة “صناعة تركية” من البورسلين لجدران الحسينية، ولا زالت حتى الآن ممتازة، فصرت أتذكره كلما مررت بالحسينية، والآن أترحم عليه، كنت ناصحاً يا أبا محمد وصادقاً في تعاملك مع الآخرين فرحمك الله رحمة واسعة وأسكنك فسيح جناته.

لم يمت أبو محمد، فقد خلفَ أبناءً صالحين هما محمد وعلي وسبعة من البنات، سمعتهم طيبة وسيرتهم حسنة نسأل الله لهم التوفيق.

عن أبي عبدالله الصادق عليه السلام أنه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم):” إن الولدَ الصالحَ ريحانةٌ من رياحين الجنة”. الكافي ج11، ص 329.