سيرة طالب 124] دعاء الصباح بين فصاحة المتن ووهن الخاتمة
![سيرة طالب 124] دعاء الصباح بين فصاحة المتن ووهن الخاتمة](/img/w1200.webp?u=https%3A%2F%2Fwww.sobranews.com%2Fwp-content%2Fuploads%2F2024%2F08%2F%D8%A7%D9%84%D8%B4%D9%8A%D8%AE-%D8%B9%D9%84%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B1%D8%AC-4-jpg.avif)
الشيخ علي الفرج
إحكام النص
يُعدّ دعاء الصباح المنسوب إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام من عيون النصوص الدعائية في التراث الإسلامي؛ نصٌّ مشدود العبارة، رفيع النّفَس، تتآلف فيه جزالة اللفظ مع عمق المعنى، وتتعانق فيه البلاغة مع الروح.
فعباراته، من قبيل: (اللهم يا من دلع لسان الصباح بنطق تبلّجه…) تشهد بذائقة عربية صافية، وبحسّ بياني، حيث لا لفظة تُزاحم أختها، ولا صورة تثقل المعنى
كما تشهد بنَفَسٍ لا يخطئه من ألف خطاب أهل البيت عليهم السلام.
وكان حفظي له بالسماع أكثر من قراءتي له في كتاب، فاستقر في الذاكرة كاملًا، وكنت أتلوه في قنوت صلاة الفريضة مطمئنّ القلب إلى لغته، من غير تكلّف ولا تردّد.
وهن الخاتمة
غير أنّ المتأمل لا يلبث أن يقف عند ذيلٍ يُلحق به في السجود، ذيلٍ لا يرقى لغةً ولا بلاغةً إلى مستوى النص الأصلي، ولا ينسجم مع نسق أهل البيت عليهم السلام في الدعاء والخطاب، ومنه قولهم:
(إلهي قلبي محجوب، ونفسي معيوب، وعقلي مغلوب، وهوائي غالب، وطاعتي قليل، ومعصيتي كثير…)
وهذا النص، مع إحسان الظن بقصد قائله، يعاني اضطرابًا لغويًا ودلاليًا ظاهرًا، نلمح منه – على سبيل المثال لا الحصر – ما يأتي:
أولًا: قوله «قلبي محجوب» تعبير مطلق غير منضبط؛ إذ جرت أدعية أهل البيت على تقييد الحجب، كحجاب الذنب أو النفس أو الغفلة، أما الإطلاق فيوهم إشكالًا: أهو حجاب من الله، أم حجاب بما سواه؟
ثانيًا: قوله «نفسي معيوب»، وقد اجتمع فيه خللان:
فالأفصح في الوصف: مَعيب لا مَعيوب.
ثم إن النفس مؤنثة، فالصواب: معيبة.
ثالثًا: قوله «وهوائي غالب»، والصواب لغةً: هوايَ غالب؛ لأن «هوائي» منسوب إلى الهواء وهو يُتنفَّس، لا إلى الهوى ميول النّفْس إلى الرغبات والشهوات.
رابعًا: إخلاله بمطابقة الصفة للموصوف في مثل:
طاعتي قليل، والصواب: قليلة.
معصيتي كثير، والصواب: كثيرة.
وهذه الملاحظات هي من أوليات الصناعة العربية، مما يعزّز الظن بأن هذا الذيل ليس صادرًا عن عربيّ السليقة، بل إن ظني أنه رجل أعجمي لا يجيد اللغة العربية.
قصتي بعد ذلك
كل هذا ما ذكرناه سابقًا كمقدمة لقصتي وهي: ألقيتُ بحثًا في مسجد الشيخ إبراهيم العرفات ببلدتي بعد صلاة الصبح في شهر رمضان، وكان مدارُ بحثي أن أُشيد بدعاء الصباح إشادةَ علمية وبلاغته، كأنّه قطعة نور.
ثم بلغتُ فقرة السجود، فقلت بهدوء لا بحدة المعترض:
إن الذيل الذي يُلحق به ليس من نسجه، وأغلب الظنّ أنّ واضعه أعجمي، لا يمتّ إلى أسلوب الدعاء الأصلي.
وما إن انتهت الكلمة، حتى أغلقتُ البحث، ونزلتُ عن الكرسي في صمت، غير أنّ الصمت كان أثقل من الكلمات.
لم يقم أحد من مجلسه.
بقي نحو ثلاثين وجهًا شاخصًا، وقد علاها ذهول مباغت.
ابتسمتُ وكسرتُ السكون قائلًا:
غريب! في كل يوم تقومون للسلام عليّ… واليوم لم تقوموا؟ ماذا حدث؟
فانفجرت الضحكات، وعاد المجلس إلى دفئه، وبقيت الحكاية شاهدًا على أن بعض الكلمات، إذا قيلت بلا تمهيد، تُسقِط الصمت قبل أن يهضمها السامعون.



