نداء في ممرات الوفاء: لا ولد ولا تلد.. عُقم الإنسانية يتجاهل ثمانينياً 10 أيام في مستشفى

القطيف: صُبرة، خاص
ترددنا أياماً في نشر القصة حتى لا يُساء الفهم، ويظنها بعض القراء حالة عامة، لا حالة فردية خاصة.
لكن الألم النفسي الذي يعيشه هذا الـ “شيبة” المسكين ما زال مستمراً.
في زاوية هادئة من أحد مستشفيات محافظة القطيف، حيث لا صدى إلا لخطوات الكادر الطبي المنهمك، يرقد تاريخٌ منسي على سرير أبيض.
رجلٌ بلغ من العمر 88 عاماً، قضى عقوداً من عمره يخدم الأجيال بصفته “فراش مدرسة”، يجد نفسه اليوم يصارع وحشة الوحدة وأمراض الشيخوخة، لا ونيس له إلا جدران “غرفة خاصة” وقلوب موظفين استشعروا ألم صمته ونبض نداءاته.
جحود. و”غرفة” الإنسانية
بدأت فصول القصة قبل أيام، حين جيء بالمسن المستشفى، ليتركه من جاء به خلفه دون استعداد جاد للعودة أو حتى السؤال، ولأن المستشفى يفتقر إلى قسم تنويم مخصص للحالات الاجتماعية، لم يكن من الكادر الطبي والإداري إلا أن يكسروا جمود اللوائح وقسوة الروتين؛ فخصصوا له “غرفة خاصة” تقديراً لشيبته، وتحول الموظفون بمرور الأيام من مقدمي خدمة إلى “عائلة بديلة” تتناوب على زيارته ومواساته، في مشهد يثبت أن الإنسانية تتجاوز أحياناً روابط الدم.
صرخة في وجه النسيان
يعاني المسن من وحشة قاتلة، تظهر في نداءاته المتكررة للمارة في الممرات، وكأنه يبحث عن وجه يعرفه في خريف عمره، أو يسترجع صدى أصوات الطلاب الذين طالما فتح لهم أبواب المدرسة بابتسامته.
هو الذي لم يُرزق بذرية تكون له سنداً، وجد نفسه “عقيماً” حتى من صلة الرحم لدى أقاربه. لكن، وكما قيل “إذا انقطع رجاء العبد من الخلق، فتح الله له أبواب رحمته”؛ فقد سخر الله له موظفين يمسحون عنه غبار الإهمال، ويقدمون له الرعاية التي افتقدها في منزله.
دروسٌ من “خلف الأبواب”
حالة هذا الثمانيني تضع المجتمع أمام مرآة قاسية؛ فكيف يهون “حارس الطفولة” الذي أفنى شبابه في خدمة العلم على من حوله؟ إنها دعوة لمراجعة مفهوم الوفاء لكبار السن؛ فالإنسان الذي يقضي حياته في خدمة الآخرين لا يستحق أن تنتهي رحلته في “انتظار” بارد، بل في حضن مجتمع يقدر عطاءه.
مظلة الوطن هي الأمان
بينما يغيب ذووه، تبرز يد الدولة والجهات المختصة كـ “ملاذ أخير” يضمن كرامة هذا الإنسان.
الجهود القائمة حالياً لنقله إلى دور الرعاية الاجتماعية ليست مجرد إجراء إداري، بل هي رسالة “جبر خاطر” لرجل لم يترك له الزمان سوى رحمة “الرحمن الرحيم” ووفاء الغرباء الطيبين في أروقة المستشفى.
سيبقى هذا المسن شاهداً على أن الوطن لا ينسى أبناءه، وأن القلوب الرحيمة لا تزال تنبض في ممراتنا.



