أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

ميرفت أبو العينين وتجربة تردد “على أطراف الأصابع”.. ليست رواية خلاص.. ولا بيان إدانة

صُبرةالثلاثاء 3 فبراير 2026، 2:31 م
ميرفت أبو العينين وتجربة تردد “على أطراف الأصابع”.. ليست رواية خلاص.. ولا بيان إدانة

محمد المخرق

تقدم الكاتبة مرفت أبو العينين، في “على أطراف الأصابع“، رواية تُخاض كتجربة في التردد وصناعة المعنى، بعيداً عن استعادة التاريخ أو تمثيل مأساة مكتملة.

منذ الصفحات الأولى، تضع القارئ في موضع غير مستقر؛ مكان يتداعى، لغة تتردد، وأجساد تتحرك داخل زمن يضيق فيه هامش القرار.

لا يقود السرد قارئه نحو مسار واضح، بل يدفعه إلى الوقوف في منطقة ملتبسة، حيث البداية مؤجلة، والنهاية مؤجلة بدورها.

النص لا يستدرُّ تعاطفاً، ولا يعد بخلاص، ويقيم توتره الأساسي في إبقاء القارئ داخل المأزق؛ مأزق تتداخل فيه الأسئلة الأخلاقية مع البنية الجمالية، ويتشكل عبر تردد السرد أكثر مما يتشكل عبر حسمه.

في قلب الرواية، يتقدم الجسد على الفكرة. اليد، القدم، الارتجاف، الجرح، الحمل، البكاء؛ عناصر تظهر بوصفها أفعالاً قبل أن تتحول إلى دلالات. الجسد هنا هو الحدث في صورته الخام، لا ينتظر تفسيراً، ولا يفسح مجالاً لتأويل أخلاقي جاهز.

اليد التي تفتح الباب أو تتردد أو تُجبر على الفعل تتحرك داخل منطقة رمادية بين الإرادة والخوف، بين الرغبة في النجاة والخسارة التي ترافقها، وبهذا المعنى، تكتب الرواية الجسد بوصفه موضع الكلفة، حيث يُدفع الثمن قبل أن يتشكل المعنى.

المكان، بدوره، يخرج من دائرة الحنين. البيت لا يُقدّم بوصفه نقطة عودة، ولا بوصفه مخزناً للذاكرة. في “دار ياسين” يُفتح البيت تحت الضغط، وفي “شاؤول” يُفتح مرة أخرى ضمن نظام قانوني مختلف.

الجدران ثابتة، السلم ثابت، الشجرة قائمة، غير أن الوظيفة الأخلاقية للمكان تنزاح. الرواية تترك هذا الانزياح يعمل بصمت؛ في النظرات المتبادلة، وفي ثقل المفاتيح، وفي ارتباك العبور. يتحول المكان إلى شاهد صامت، يحضر دون تعليق، ويترك أثره عبر الاستمرار.

أما الزمن، فيتحرك في الرواية بوصفه آلية تنظيم، أكثر منه مساراً للشفاء. الانتقال من 1948 إلى 1968 يكشف تحول العنف من انفجار إلى إجراء، ومن صدمة إلى روتين، ما يتغير هو الشكل، بينما يستمر الجوهر في إنتاج الأثر نفسه بوسائط أكثر هدوءاً.

النص لا يقيم مقارنة مباشرة بين المرحلتين، بل يكشف عبر التتابع كيف يُعاد ترتيب المأساة دون حاجة إلى إعلانها.

اللغة تتراجع كلما اشتد الضغط. في اللحظات المفصلية، تنكسر الجمل، وتُختصر الحوارات، ويتقدم الصمت بوصفه نتيجة.

هذا الصمت يظهر باعتباره أثراً مباشراً لعنف يتجاوز القدرة على القول. تصل الرواية في هذه النقطة إلى ذروتها، حين تدرك حدود اللغة، وحين يعجز الكلام عن أداء وظيفة الإنقاذ.

هذا التماسك يتعرض لاحقاً لاختبار واضح؛ ففي الصفحات الأخيرة، يميل النص إلى التفسير والتلخيص، وتظهر نبرة تقريرية تضع القارئ أمام موقف أخلاقي مُعلن، تتحول الكلمات إلى أدوات إدانة، ويُستدعى أفق الخلاص بوصفه مساراً ممكناً.

هذا التحول لا يلغي ما سبقه، غير أنه يكشف توتراً داخلياً في بنية الرواية؛ سرد قام على التردد يحاول أن يستقر، ونص أقام طويلاً على الحافة يقترب من القفز.

تظهر المفارقة بوضوح عند النظر إلى الغلاف الخلفي، حيث تمرّ فكرة القفز في النص بوصفها سؤالاً عن الحياة أكثر من كونها شرطاً لها، في إيحاء بأن القفز قد يتعذر، وأن الوقوف على الحافة قد يتحول إلى موقف أخلاقي قائم بذاته، لا مرحلة عابرة.

في محصلتها: لا تُقرأ (على أطراف الأصابع) بوصفها رواية خلاص، ولا بوصفها بيان إدانة مكتمل. إنها نص يقيم داخل الاستحالة، ويقيس الأخلاق بقدرتها على الاحتمال، ويمنح الجسد والمكان والزمن حق التردد.

تزداد قوة الرواية حين تبتعد عن خطابها الأخير، وحين تترك القارئ مع بيت مفتوح، وجسد معلّق، ولغة واعية بحدودها.

من هنا تأتي قيمتها؛ لأنها لا تقدّم جواباً، وتُبقي القارئ واقفاً على الحافة… على أطراف الأصابع… كتابة لا تعد بالخلاص، بقدر ما تُنقذ السؤال من الاكتمال.