تاريخ تاروت تحت الضباب

تاروت: جمال أبو الرحي
لم يكن ضباباً عادياً ذلك الذي لفّ جزيرة تاروت مؤخراً؛ كان بمثابة “ستارة زمنية” أسقطتها الطبيعة لتعيد صياغة مشهد قلعتها الأثرية.
في تلك اللحظة، لم تعد قلعة تاروت مجرد حصنٍ من الحجارة المرجانية، بل تحولت إلى أسطورة حية تطفو فوق بحر من الغيوم، حيث تعانق صمت الضباب مع كبرياء التاريخ.

قمة الخمسة آلاف عام
على قمة تلةٍ تخبئ تحت ثراها أسرار مستوطنات بشرية تعود إلى 5000 سنة قبل الميلاد، وقفت القلعة البرتغالية (المشيدة بين عامي 1515 – 1521م) شامخة بأبراجها الثلاثة المتبقية. ومع هبوط الضباب الكثيف، تلاشت الحدود بين الأرض والسماء، وبدت الأسوار السميكة والجص الأثري وكأنها تماهت مع البياض المحيط، في لوحة بصرية تحبس الأنفاس، جمعت بين رهبة الماضي وسكون الطبيعة المطلق.

عدسة “آل مطر”.. صيد المستحيل
هذا المشهد السريالي لم يمر مرور الكرام أمام عين الفنان عبد الإله حسن آل مطر، فبينما كان الجميع يلتمس طريقه وسط الضباب، كان هو يحلق بطائرته “الدرون” فوق هامات الغيوم ليقتنص زوايا لم ترها العين من قبل.
لم تكن لقطات آل مطر مجرد توثيق جغرافي، بل كانت قراءة جمالية أعادت تقديم القلعة بوجهٍ جديد؛ حيث تظهر الأبراج وهي تشق طريقها وسط الركام الأبيض، وكأنها تستعيد غموضها الأول الذي ساد قبل قرون.
“أي مصور يبحث دائماً عن فكرة لم تولد بعد، عن زاوية تخرج عن المألوف” — المصور عبد الإله آل مطر، واصفاً شغفه بتوثيق هذه اللحظة النادرة.

لحظة لم تتكرر
يؤكد آل مطر، وهو ابن تاروت الذي صقل موهبته في “جماعة التصوير الضوئي بالقطيف”، أن هذه المشاهد تُعد نادرة تاريخياً. فبحسب علمه، لم يسبق أن وُثقت القلعة بهذه الكثافة الضبابية من علو، ما جعل عمله يتجاوز كونه صورة فوتوغرافية ليصبح وثيقة فنية استثنائية.
بين عبق الماضي الذي يفوح من الحجر المرجاني، وبين لمسة الإبداع التي قدمتها عدسة آل مطر، تظل قلعة تاروت قصة لا تنتهي.. قصة يكتبها الضوء فوق أسوار الزمن، ويحكيها الضباب حين يقرر أن يغمر التاريخ بفيضٍ من سحره.










