أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
محليات

أبراج الأشباح شبكة مياه تحت الصحراء بطول 400 كيلو في الأحساء والقطيف

محمد السيدالإثنين 30 مارس 2026، 9:00 ص
أبراج الأشباح شبكة مياه تحت الصحراء بطول 400 كيلو في الأحساء والقطيف

القطيف: صُبرة

في ربيع عام 1948، نشرت مجلة National Geographic Magazine، الصادرة عن National Geographic Society، استطلاعاً استكشافياً مطوّلاً بعنوان “In Search of Arabia’s Past” للباحث والرحالة الأمريكي Peter Bruce Cornwall.

وقد جاء الاستطلاع في سياق اهتمام المجلة بتوثيق الجغرافيا والتاريخ الإنساني للمناطق التي ما تزال تحتفظ بآثار الماضي في تضاريسها وبيئتها الطبيعية. وكانت الجزيرة العربية، بصحاراها الشاسعة وتاريخها العميق، واحدة من تلك المناطق التي أثارت فضول الباحثين والرحالة في منتصف القرن العشرين.

ضمن صفحات ذلك الاستطلاع ، توقّف الكاتب عند ظاهرة لافتة في شرق الجزيرة العربية، وتحديداً في القطيف والأحساء، حيث تنتشر بقايا أنظمة مائية قديمة تظهر على سطح الصحراء في هيئة صفوف من الفتحات أو الأعمدة الحجرية.

وقد بدت هذه البقايا، التي كشفتها الرياح بعد قرون من اندثارها، وكأنها علامات غامضة على أرضٍ طمرها الزمن. لكن الاستطلاع الذي نشرته المجلة يوضح أن هذه الأعمدة ليست سوى رؤوس آبار قديمة كانت جزءاً من شبكة مائية تحت الأرض، امتدت يوماً عبر مناطق واسعة من شرق الجزيرة، بما في ذلك ما يعرف اليوم بواحات القطيف والأحساء.

من قلب الصحراء

يصف الاستطلاع مشهداً قد يواجهه المسافر في بعض مناطق الصحراء الشرقية من الجزيرة العربية. فبين الكثبان الرملية الممتدة تظهر أحياناً سلسلة من الفتحات أو الأعمدة الصغيرة المصطفة على خط مستقيم تقريباً.

للوهلة الأولى، قد تبدو هذه الأعمدة بقايا جدران أو أطلال مبانٍ قديمة، لكن التدقيق فيها يكشف أنها فتحات آبار حُفرت بعناية على مسافات منتظمة.

ويشير الكاتب إلى أن هذه الآبار ليست منفصلة عن بعضها، بل هي جزء من نظام هندسي واحد. فقد حُفرت فوق قناة مائية تمتد تحت سطح الأرض، وكانت هذه القناة تنقل المياه الجوفية من مصدرها الطبيعي إلى مناطق الزراعة أو الاستيطان البشري.

وبمرور الزمن، طمرت الرمال معظم هذا النظام المائي، ولم يبقَ ظاهراً على السطح سوى رؤوس الآبار. ومع انكشافها بفعل تعرية الرياح، بدت هذه الرؤوس كأنها أعمدة حجرية تخرج من الرمال، في مشهد أثار فضول الرحالة والباحثين الذين مروا بتلك المناطق.

شبكة مائية خفية

يفسر الاستطلاع هذه الظاهرة بأنها بقايا نظام ريّ متطور نسبياً بالنسبة لبيئة صحراوية. فالقناة المائية التي كانت تمتد تحت الأرض كانت تُحفر بزاوية مائلة تسمح بتدفق المياه تدريجياً نحو الواحات.

وعلى طول هذه القناة حُفرت آبار رأسية متتابعة، كانت تستخدم للوصول إلى النفق أثناء الحفر، ولتهويته وصيانته لاحقاً.

وكانت المسافات بين هذه الآبار مدروسة بعناية، الأمر الذي يفسر انتظامها الواضح في خط واحد. ومن خلال هذا النظام كانت المياه الجوفية تصل إلى المناطق الزراعية دون الحاجة إلى رفعها من أعماق الأرض في كل مرة، وهو ما يعكس معرفة عملية بطبيعة الأرض ومسارات المياه الجوفية.

ويؤكد الاستطلاع أن وجود مثل هذا النظام يدل على أن سكان المنطقة في العصور القديمة امتلكوا خبرة ملحوظة في إدارة المياه في بيئة صحراوية قاسية، حيث كانت المياه تمثل المورد الأكثر أهمية للحياة والاستقرار.

آثار واحات قديمة

يربط الاستطلاع بين هذه الشبكات المائية وبين تاريخ الواحات في شرق الجزيرة العربية. فوجود قناة تحت الأرض بهذا الحجم يعني أن المنطقة التي تمر بها كانت تضم نشاطاً زراعياً أو استيطاناً بشرياً يعتمد على المياه الجوفية.

وفي هذا السياق يبرز ذكر واحات شرق الجزيرة، ولا سيما واحات القطيف والأحساء، اللتين عُرفتا عبر التاريخ بوفرة المياه الجوفية وازدهار الزراعة فيهما. فقد كانت هذه الواحات تمثل مراكز حضرية وزراعية مهمة في المنطقة، بفضل العيون الطبيعية والآبار التي وفرت المياه للنخيل والمحاصيل.

غير أن كثيراً من الأنظمة المائية القديمة المرتبطة بهذه الواحات لم يبقَ على حاله. فالتغيرات الطبيعية وزحف الرمال أدّيا إلى طمر أجزاء من القنوات القديمة، وإلى اندثار بعض الواحات الصغيرة التي كانت تعتمد عليها. ومع مرور الزمن، فقدت هذه القنوات وظيفتها، وانهارت أجزاء منها تحت الأرض.

لكن الآبار الرأسية التي كانت تربط سطح الأرض بالقناة بقيت في مواقعها، لتتحول مع الزمن إلى علامات حجرية بارزة فوق الرمال.

ويشير التقرير إلى أن مصدر المياه الجوفية الذي تغذيه هذه القنوات قد يمتد لمسافة تصل إلى نحو 250 ميلاً، أي ما يعادل 400 كيلو.

الرمال تكشف الماضي

يلفت الاستطلاع إلى مفارقة لافتة في طبيعة الصحراء. فالرمال التي قد تبدو وكأنها تطمس آثار الماضي قد تصبح في أحيان أخرى سبباً في كشفها. فحركة الرياح المستمرة تعيد تشكيل سطح الصحراء، وقد تؤدي إلى إزالة طبقات من الرمال كانت تغطي أجزاء من المنشآت القديمة.

وفي بعض المواقع، أدى هذا التعرية الطبيعية إلى كشف رؤوس الآبار التي كانت مطمورة، فظهرت في صفوف واضحة يمكن ملاحظتها من مسافات بعيدة. ويصف المقال كيف أن هذه الأعمدة الصغيرة قد تمتد أحياناً لمسافات طويلة، مرسومةً خطاً يكاد يكون مستقيماً عبر الصحراء.

وبالنسبة للباحثين، فإن هذا المشهد لا يمثل مجرد ظاهرة طبيعية، بل هو دليل واضح على وجود بنية تحتية مائية قديمة تمتد تحت سطح الأرض.

دلالة حضارية

لا ينظر الاستطلاع إلى هذه الآثار بوصفها بقايا هندسية فحسب، بل بوصفها أيضاً دليلاً على تاريخ بشري عميق في المنطقة. فحفر قناة مائية تحت الأرض، مع إنشاء عشرات الآبار على طولها، يتطلب تخطيطاً وتنظيماً وجهداً جماعياً كبيراً.

وهذا يشير إلى وجود مجتمع مستقر نسبياً قادر على إدارة مشاريع طويلة الأمد، وعلى الحفاظ على شبكة مائية تحتاج إلى صيانة مستمرة. كما يدل على أن سكان تلك المناطق امتلكوا معرفة عملية بطبيعة الأرض ومصادر المياه الجوفية.

ومن خلال هذه الشواهد، يلمّح الاستطلاع إلى أن تاريخ الاستقرار البشري في شرق الجزيرة العربية قد يكون أكثر عمقاً وتعقيداً مما يبدو على سطح الصحراء اليوم.

صمت الصحراء

أحد أكثر الجوانب تأثيراً في وصف الاستطلاع هو المفارقة بين الماضي والحاضر. ففي الماضي كانت هذه القنوات المائية تنقل الماء إلى الحقول والواحات، وتدعم حياة زراعية نشطة في قلب الصحراء. أما اليوم، فقد اختفى معظم ذلك العالم القديم، ولم يبقَ منه سوى صفوف من الآبار التي تقف صامتة فوق الرمال.

هذه الفتحات الحجرية الصغيرة، التي قد تبدو للوهلة الأولى مجرد بقايا مهملة، هي في الواقع آثار لنظام مائي كان يوماً شرياناً للحياة في المنطقة. ومع مرور القرون، تحولت إلى شواهد صامتة على تاريخ طمرته الرمال، لكنه لم يختفِ تماماً.

ذاكرة المكان

في خاتمة هذا الجزء من التحقيق، يشير الاستطلاع إلى أن مثل هذه الآثار تمنح الباحثين فرصة نادرة لقراءة تاريخ الصحراء. فحتى أبسط العلامات – كصف من الآبار المتتابعة – يمكن أن تكشف عن شبكة مائية معقدة وعن مجتمعات بشرية عاشت في تلك البيئة قبل قرون طويلة.

وهكذا، فإن الأعمدة الحجرية الصغيرة التي تظهر أحياناً في صحارى شرق الجزيرة ليست مجرد ظاهرة عابرة. إنها بقايا نظام مائي قديم كان يربط بين الأرض والماء والحياة، ويمثل شاهداً صامتاً على قدرة الإنسان على التكيّف مع واحدة من أكثر البيئات صعوبة على وجه الأرض.

وبين الرمال التي تتغير باستمرار، تبقى تلك الآبار المتناثرة – التي تظهر في صفوف تمتد عبر الصحراء – علامة على تاريخ لم يختفِ تماماً، بل ما زال يطلّ من باطن الأرض كلما كشفت الرياح جزءاً من ماضيه.

اقرأ أيضاً

شاهد قبر كاهن مسيحي وسط بستان في القطيف

بلدات:القطيف