إنذار الثلاثاء.. هل تدفع تهديدات ترامب إيران نحو “كأس السم”؟

تقارير: صُبرة
يُنظر إلى السلوك السياسي الإيراني بوصفه امتدادًا لعقلٍ طويل النفس، يُجيد امتصاص الضغوط وتأجيل القرارات الحاسمة إلى أقصى مدى ممكن.
هذا النمط، الذي يتكرر عبر العقود، يجعل من الصمود خيارًا أوليًا، ومن التراجع خطوة مؤجلة لا تُتخذ إلا عند الضرورة القصوى.
إنذار جديد
في أحدث فصول التصعيد، وجّه دونالد ترامب تهديدًا مباشرًا إلى طهران، مفاده أن عليها توقيع اتفاق قبل يوم الثلاثاء، وإلا فإنها ستواجه “تدمير كل شيء”. هذا الخطاب، بصيغته الحادة، يرفع مستوى الضغط إلى حدٍّ غير مسبوق، ويضع إيران أمام معادلة زمنية ضيقة، تختلف عن الضغوط التراكمية البطيئة التي اعتادت التعامل معها.
1988.. انتهى الرفض
يستحضر هذا المشهد تلقائيًا لحظة مفصلية في الحرب العراقية الإيرانية، حين رفضت إيران لسنوات وقف إطلاق النار، قبل أن تقبل به في النهاية تحت ضغط الانهاك العسكري والاقتصادي. يومها، وافقت على قرار مجلس الأمن الدولي رقم 598، في خطوة وصفها روح الله الخميني بأنها «تجرّع لكأس السم»، في إشارة إلى قسوة القرار ومرارة التنازل.
اليوم.. صراع مفتوح
الوضع الراهن لا يشبه حرب الثمانينيات من حيث الشكل، لكنه يقترب منها في مستوى التوتر. فالتصعيد بين إيران من جهة، وكل من الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، يتخذ طابعًا مركبًا: ضربات غير مباشرة، مواجهات عبر حلفاء، وتهديدات متصاعدة. إنه صراع مفتوح، لم يتحول بعد إلى حرب شاملة، لكنه يتحرك على حافتها.
ضغط أم استنزاف؟
الفارق الأبرز بين 1988 واليوم يكمن في عامل الزمن. ففي الحرب مع العراق، جاء القرار الإيراني بعد سنوات من الاستنزاف التدريجي. أما الآن، فإن إنذارًا بزمن قصير—كما في تهديد ترامب—يحاول فرض إيقاع مختلف، قائم على الحسم السريع لا التآكل البطيء.
لكن التجربة الإيرانية تشير إلى أن طهران لا تستجيب بسهولة لضغوط الوقت، بل تميل إلى اختبار حدودها، وامتصاص الصدمة، ثم إعادة التموضع بدل الانصياع الفوري.
بين التهديد والواقع
رغم حدة التصريحات، يبقى السؤال: هل تعكس تهديدات دونالد ترامب نية فعلية لتصعيد شامل، أم أنها جزء من استراتيجية ضغط تفاوضي؟
في عام 1988، لم تكن الكلمات هي الحاسمة، بل الوقائع الميدانية. واليوم، لا تزال هذه الوقائع—رغم خطورتها—دون مستوى الحرب الشاملة التي تُجبر على قرار فوري.
هل تقترب لحظة “كأس السم”؟
إذا استمر التصعيد، أو تحوّل إلى مواجهة مباشرة واسعة، فقد تجد إيران نفسها أمام لحظة مشابهة لتلك التي واجهتها في نهاية الحرب مع العراق. لكن حتى الآن، لا تبدو الظروف قد بلغت مستوى الانهاك الحاسم الذي يدفع إلى قرار بهذا الحجم.
اختبار الإرادة
إنذار الثلاثاء يضع إيران أمام اختبار جديد: هل تستجيب لضغط سريع ومكثف، أم تواصل استراتيجيتها القائمة على الصمود والمناورة؟ التاريخ يشير إلى أن القرار الإيراني لا يُصنع تحت ضغط اللحظة، بل عند بلوغ الحد الأقصى من التحمل.
وبين هذين المسارين، يبقى المشهد مفتوحًا على كل الاحتمالات… من اتفاق مفاجئ، إلى تصعيد قد يعيد المنطقة إلى حافة حرب كبرى.



