أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
محليات

300 ألف حكاية تحت سقف متحف الخط الحضاري

صُبرةالأحد 12 أبريل 2026، 2:48 م
300 ألف حكاية تحت سقف متحف الخط الحضاري

القطيف: فرح السيسبان

بمجرد أن تعبر باب متحف الخط الحضاري في مدينة القطيف، تدرك سريعاً أن ما ينتظرك ليس مجرد زيارة لمتحف تقليدي، بل رحلة طويلة في ذاكرة الإنسانية.

هنا، لا تتجاور القطع الأثرية فحسب، بل تتجاور الأزمنة أيضاً؛ آلاف القصص التي تبدو وكأنها ازدحمت في مكان واحد.

في الوهلة الأولى يلفت الانتباه الكم الهائل من المقتنيات. رفوف وصناديق وخزائن عرض تزدحم بقطع من كل شكل ولون وحجم، حتى يخيل للزائر أن المتحف يحاول أن يحكي تاريخ العالم دفعة واحدة. وبينما تتنقل العين بين الواجهات الزجاجية، تتولد دهشة متتابعة: هل يعقل أن كل هذه الكنوز اجتمعت هنا؟

جدار يضُم صور للقطيف قديماً

المتحف الذي افتتح عام 2023، هو ثمرة شراكة بين ماهر الغانم والسيد حسين العوامي، ويضم أكثر من 300 ألف قطعة جمعها العوامي على مدى أكثر من خمسة عقود من الشغف بالاقتناء. ولهذا لا تبدو الزيارة مجرد مشاهدة لقطع جامدة، بل أقرب إلى التجول داخل ذاكرة رجل كرّس حياته لمطاردة التفاصيل النادرة.

جدار يضُم صور لكواليس مسرحيات ومسلسلات المخرج “ماهر الغانم”

دهشة البداية

تبدأ الجولة عادة من أقسام الأحجار الكريمة والأحفوريات. هناك، في واجهات العرض، تتجاور صخور لامعة بألوانها العميقة مع بقايا كائنات متحجرة تعود إلى ملايين السنين. قطعة صغيرة بحجم الكف قد تحمل عمراً أطول من الحضارات كلها، وهو ما يمنح المكان شعوراً خاصاً بالرهبة.

لكن الدهشة الحقيقية لا تتوقف عند قسم واحد. فمع كل خطوة تظهر مجموعة جديدة من القطع، حتى يبدو المتحف وكأنه متاهة من الحكايات المتراكمة.

قسم الأحجار الكريمة والاحفوريات

زحام التاريخ

في أحد الممرات تقف أمام شواهد قبور تاريخية تعود إلى قرون مضت، وعلى بعد خطوات فقط تظهر أبواب خشبية قديمة يقال إنها كانت يوماً جزءاً من قلعة القطيف وقلعة تاروت، صُنعت من أخشاب جُلبت من الهند قبل مئات السنين. وما إن تتجاوز هذا الركن حتى تجد نفسك في عالم مختلف تماماً: خوذات عسكرية، وبنادق قديمة، ومعلبات طعام كانت توزع على الجنود في ساحات القتال خلال الحروب العالمية وحرب الخليج.

هذا التباين المفاجئ بين القطع يمنح الجولة طابعاً غير متوقع؛ فالتاريخ هنا لا يسير بخط مستقيم، بل يقفز بين الأزمنة والقارات في لحظات.

أبواب قلعة القطيف وتاروت قديماً

بنادق استخدمت في الحروب

سرير هندي قديم

شواهد قبور قديمة

من الكعبة المكرمة إلى التايتانيك

بين المعروضات قطع تحمل طابعاً دينياً مهيباً، مثل خيوط ذهبية استخدمت في تطريز كسوة الكعبة، وقطعة نادرة من القبر الشريف في المسجد النبوي.

لكن بعد أمتار قليلة فقط تظهر مفاجأة مختلفة تماماً: أداة توجيه أصلية من سفينة تايتانيك الشهيرة، التي غرقت عام 1912. قطعة صغيرة، لكنها تختصر واحدة من أشهر المآسي البحرية في التاريخ.

هنا تحديداً يشعر الزائر أن المتحف لا يروي قصة منطقة واحدة، بل يفتح نافذة على العالم كله.

خيوط الذهب وكسوة الكعبة

أداة توجيه سفينة “تايتانيك”

قطعة من قبر النبي ﷺ

ذاكرة التقنية

في قسم التقنية تبدو القفزة الزمنية أكثر وضوحاً. أجهزة تلفاز ضخمة ذات شاشات محدبة تعود إلى بدايات دخول التلفزيون إلى المملكة في خمسينيات القرن الماضي، إلى جانب هواتف قديمة استخدمها ملوك وقادة دول.

وتصطف بجانبها كاميرات سينمائية وفوتوغرافية ومشغلات أفلام تعود إلى عقود مضت، بعضها يبدو وكأنه خرج للتو من استوديوهات التصوير القديمة.

اللافت أن كثيراً من هذه الأجهزة ما زال يحتفظ بهيبته رغم مرور الزمن، وكأنها تذكّر الزائر بسرعة التحولات التقنية التي عاشها العالم خلال أقل من قرن.

أول تلفزيون بالمملكة

قسم الهواتف

كاميرات سينمائية وتلفزيونية قديمة

تاريخ الذهب والزمن

بين أروقة المتحف، تقف العملات كشهود عيان تعاقبت على تبادلها الأيدي منذ العصور الأموية والعباسية وصولاً إلى العهد العثماني، لتروي قصة المال قبل أن يستقر التاريخ في الإصدارات السعودية، وعملات “أرامكو” الحصرية التي شهدت بدايات عصر النفط. ويمتد قسم الساعات النادرة ليضم ساعات الجيب العتيقة لتعلن أن الزمن هنا لم يتوقف، وساعات صُممت خصيصاً للمكفوفين، تتوسطها ساعة رملية أصلية لا تزال تحتفظ بهيبتها القديمة.

قسم العملات

عملة أرامكو

ذاكرة الناس

بعيداً عن القطع الضخمة أو النادرة، هناك زوايا صغيرة تعيد الزائر إلى تفاصيل الحياة اليومية.

«ركن البقالة» مثلاً يعرض عبوات قديمة لمنتجات كانت تملأ رفوف المتاجر قبل عقود، بينما يستحضر «ركن العروس» صورة غرف الزواج التقليدية كما كانت في الماضي.

هذه التفاصيل البسيطة تمنح المتحف بعداً إنسانياً؛ فالتاريخ ليس فقط قصص الحروب والملوك، بل أيضاً حياة الناس العادية.

قسم غرفة العروس

ركن البقالة

جدران تحكي القطيف

وفي أحد الأركان يقف الزائر أمام جدار طويل مغطى بصور قديمة للقطيف.

صور لقلاع قديمة، وعيون ماء، ومنازل طينية، ووجوه رجال ونساء من زمن مضى.

هذه الصور تمنح المتحف بعده المحلي، وتعيد الزائر إلى الاسم التاريخي للمنطقة: الخط، الذي يحمل المتحف اسمه.

جدار يضُم صور للقطيف قديماً

تاريخ الذهب والزمن

وفي زاوية مفعمة بالوفاء، يطل ركن الرواد ليحكي سيرة الدكتور “حسن الغانم”، أحد موظفي أرامكو القدماء وأول ممثل سينمائي سعودي، وكأن المكان يستعيد بريق الشاشة الأولى. ومن الأرض إلى السماء، يأخذنا ركن الطيران في رحلة مع مقتنيات ملاح الطيران المتقاعد “علوي الشبركة”، إلى جانب نماذج من أوائل تذاكر السفر التي كانت شاهدة على انطلاق أولى الرحلات الجوية في المنطقة.

ركن الدكتور “حسن الغانم”

قصة وراء كل قطعة

يقول ماهر الغانم إن معظم هذه المقتنيات تعود للسيد حسين العوامي، الذي بدأ شغفه بالجمع منذ طفولته عندما كان يقتني الطوابع البريدية. ومع مرور السنوات تحول هذا الشغف إلى مشروع حياة امتد أكثر من 55 عاماً.

وخلال عمله في شركتي «أرامكو» و«سكيكو» كان العوامي يخصص جزءاً كبيراً من دخله لشراء القطع النادرة من الأسواق والمزادات العالمية، حتى تضخمت مجموعته تدريجياً لتصبح واحدة من أكبر المجموعات الخاصة في المنطقة.

السيد حسين العوامي

ماهر الغانم

متحف لا ينتهي

بعد جولة طويلة بين الأقسام، يدرك الزائر أن ما شاهده ربما لا يمثل سوى جزء بسيط من مقتنيات المتحف. فعدد القطع الضخم يجعل من الصعب الإحاطة بكل شيء في زيارة واحدة.

ولهذا ربما تكون الجملة الأكثر صدقاً التي تسمعها أثناء الجولة هي أن متحف الخط الحضاري لا يُزار مرة واحدة؛ فكل زيارة تكشف زاوية جديدة، وكل زاوية تحمل حكاية مختلفة.

وفي حجج النهاية يغادر الزائر وهو يشعر أن هذا المكان ليس مجرد قاعات عرض، بل مخزن هائل للذاكرة… ذاكرة رجل، وذاكرة مدينة، وذاكرة عالم كامل اجتمع صدفة في قلب القطيف.