مدينة الزارة.. دمّرها القرامطة قبل 1164 سنة.. ودُفنت آثارها تحت المزارع

القطيف: صُبرة
قبل 1164 عاماً، كانت الزارة مدينة عامرة في إقليم البحرين القديم، تضج بالحياة وتؤدي دوراً دينياً وإدارياً مهماً، قبل أن تتحول في لحظة تاريخية حاسمة إلى أطلال مطمورة تحت المزارع، بعد أن دمّرها القرامطة سنة 283هـ، في واحدة من أكثر الوقائع تأثيراً في تاريخ المنطقة.
لكن هذه النهاية لم تكن بداية القصة، بل فصلها الأخير. فقبل ذلك بقرون، كانت الزارة مدينةً حيّة، دخلت الإسلام، وصمدت في وجه حصار، ثم عادت لتسقط مرة أخرى في زمن مختلف.

حي الزارة الحالي شرق شارع القطيف صفوى الجديد
كيف دخلت الإسلام؟
في عهد النبي (ص)، بعث إلى إقليم البحرين الذي كانت الزارة جزءاً منه، فاستجاب حاكمه المنذر بن ساوى للدعوة، معلناً إسلامه. وبهذا دخلت المنطقة في الإسلام سلماً، دون قتال، وأصبحت الزارة جزءاً من الدولة الإسلامية إداريًا، مع بقاء جماعات على دياناتها ضمن نظام الصلح.
غير أن هذا الاستقرار لم يدم طويلاً؛ فبعد وفاة النبي شهدت المنطقة اضطرابات ضمن حروب الردة، لتدخل الزارة مرحلة جديدة من التوتر.
في صدر الإسلام
في أطراف الساحل الشرقي، حيث تختبئ الزارة اليوم تحت طبقات من المزارع والصمت، كانت المدينة يومًا تضجّ بالحياة… وتتهيأ لحصارٍ سيغيّر مصيرها.
لم يكن وصول العلاء الحضرمي حدثًا عابرًا، جاء على رأس مهمة لإعادة الاستقرار إلى إقليمٍ مضطرب.
كانت الزارة مدينة حصينة، محاطةً بالماء. طوّقها الحصار. أيامٌ تتشابه، وجدرانٌ لا تُفتح.

حي الزارة الحالي من الداخل
ثم تغيّر شيء ما، انقطعت الإمدادات، أو ضاق البحر، أو انكشفت فجوة. فجأة، لم تعد الزارة معزولة فقط… بل مكشوفة.
عندها، لم يطل الانتظار، سقطت المدينة، ودخلها جيش العلاء، لتُحسم تبعيتها نهائياً للدولة الإسلامية، وتبدأ مرحلة جديدة أقل صخبًا… وأكثر خفاءً.
من الاستقرار إلى الانهيار
بعد ذلك، استمرت الزارة ضمن المجال الإسلامي، لكنها لم تعد بتلك القوة التي عُرفت بها سابقاً، ومع مرور الزمن، دخلت المنطقة في تحولات سياسية عميقة، كان أبرزها صعود القرامطة.
في تلك المرحلة، كان القرامطة يتمددون في شرق الجزيرة العربية بقيادة أبي سعيد الجنابي، الذي نجح في فرض سيطرته على إقليم البحرين. ومع رفض الزارة الخضوع الكامل، فرضت قواته حصاراً على المدينة، قبل أن تقتحمها بالقوة بعد مقاومة، لتشهد عمليات قتل وسبي ونهب، انتهت بتدمير بنيتها الحضرية، وانطفاء دورها كواحدة من أبرز حواضر الإقليم.

تدمير الزارة (اللوحة بالذكاء الاصطناعي)
هذا التدمير لم يكن حادثة عابرة، بل جزءاً من مشروع أوسع لإعادة تشكيل المنطقة سياسياً واجتماعياً، إذ عمل القرامطة على إخضاع مدن الإقليم ودمجها في كيانهم الجديد، وهو ما انعكس مباشرة على مصير الزارة التي فقدت مكانتها تماماً، وتحولت تدريجياً إلى موقع مهجور.

سابقاً كان هنا بستان نخل اسمه “الدمنة” التي تعني “الطلل”
صعود القرامطة وسقوطهم
بدأت حركة القرامطة في أواخر القرن الثالث الهجري، وارتبط اسمها بشخصية حمدان قرمط في العراق، قبل أن تنتقل إلى شرق الجزيرة العربية، حيث أسس أبو سعيد الجنابي نواة الدولة القرمطية.
بلغت الدولة ذروة قوتها في القرن الرابع الهجري، وفرضت نفوذها على طرق التجارة، واشتهرت بهجماتها الكبرى، ومن أبرزها الاعتداء على قوافل الحج، واقتحام مكة سنة 317هـ.
لكن هذا الصعود لم يدم؛ إذ بدأت الدولة القرمطية في التراجع نتيجة الصراعات الداخلية، وتفكك القيادة، وتصاعد الضغوط الإقليمية، حتى سقطت في القرن الخامس الهجري على يد العيونيون نحو سنة 470هـ.
ما الذي بقي من الزارة؟
مع اندثار المدينة، أعادت الجغرافيا تشكيل نفسها. وفي هذا السياق، يشير المؤرخ محمد سعيد المسلم إلى أنه خلال القرن الخامس الهجري نشأت قرية صغيرة في محيط الموقع عُرفت لاحقاً باسم العوامية، وأن تسميتها ارتبطت بشخصية محلية بارزة، هو العوام بن يوسف الزجاج، في دلالة على انتقال مركز الحياة من المدينة المندثرة إلى تجمعات أصغر.
لكن اسم “الزارة” لم يختفِ؛ إذ انحصر في حي صغير شرقي العوامية، لا يزال قائماً حتى اليوم، ويضم منازل محدودة، في بقايا حيّة لاسم مدينة غابت ملامحها.

عين المحارق.. ربما جاء اسمها من حريق الزارة
وإذا كانت المعالم قد اختفت، فإن الإشارات بقيت؛ إذ إلى الجهة الشمالية الغربية كان يقع بستان يحمل اسم “الدمنة”، وهي كلمة تعني “الطلل” أو “الأثر”، وكأن في الاسم صدى لما حدث. كما تقع إلى الجنوب الغربي عين تُسمّى “المحارق”، في تسمية توحي بما لحق بالمكان من تحريف ودمار شديدين.
ورغم مرور القرون، لا تزال الزارة حاضرة في باطن الأرض؛ إذ تشير مكتشفات أثرية متفرقة إلى أن الموقع يحتفظ بطبقات تاريخية غنية، دُفنت تحت المزارع والامتدادات الزراعية التي غطّت المكان عبر الزمن.

أسفل الزارة.. يختبيء التاريخ (ذكاء صناعي)
بين دخولٍ سلمي إلى الإسلام، وحصارٍ حاسم في صدره، ثم تدميرٍ كامل على يد القرامطة، تختصر الزارة تاريخاً طويلاً من التحولات. مدينةٌ كانت عامرة، ثم محاصرة، ثم مدمّرة… قبل أن تُطوى تحت التراب، تاركةً اسمها فقط على السطح، وآثارها في عمق الأرض.
اقرأ أيضاً
بالصدفة.. حرّاثة زراعة تنبش وتحطم فخاريات من العصر العباسي في “زارة القطيف”



