أكاديميون ومثقفون يفتحون نقاش التخصصات جدل الهوية يصعّد النقد ضد جامعة الملك سعود

الرياض: تقرير
ما زال الجدل يتصاعد حول جامعة الملك سعود، بالتزامن مع إصدار الجامعة بيانًا توضيحيًا أكدت فيه أن ما يجري يندرج ضمن تحديث مسارات القبول وتطوير المنظومة الأكاديمية، بما يتواءم مع احتياجات سوق العمل والتوجهات التعليمية المستقبلية.
وأوضحت الجامعة في بيانها أن تحديث التخصصات يأتي في إطار “ضمان استمرار دورها الريادي في تنمية وخدمة المجتمع”، مشيرة إلى أن الطلبة المقيدين حاليًا في البرامج غير المفعّلة ضمن قبول العام القادم سيستمرون في دراستهم وفق الخطط المعتمدة، “بما يضمن استقرارهم الأكاديمي واستكمال مسيرتهم التعليمية دون أي تأثير”.
تجديد البرامج الأكاديمية
كما أكدت عزمها تجديد البرامج الأكاديمية، مع الاستفادة من خبرات أعضاء هيئة التدريس، والتوسع في التخصصات التطبيقية والبرامج البينية، وتعزيز برامج الدراسات العليا ومنظومة البحث والابتكار.
ويأتي هذا التوضيح في وقت لم تهدأ فيه ردود الفعل، حيث يرى متابعون أن البيان ركّز على جانب التطوير، دون أن يحسم الجدل المرتبط بمستقبل العلوم الإنسانية داخل الجامعة.

في مقدمة الأصوات المنتقدة، قال فهد العرابي الحارثي “ما يجري في جامعة الملك سعود اليوم بإلغاء بعض التخصصات في العلوم الإنسانية ليس مجرد قرار أكاديمي عابر، بل هو قرار يعكس تحوّلًا عميقًا في فلسفة التعليم”، مضيفًا أن “الاستعانة بشركة استشارية تثير سؤالًا مشروعًا: كيف لجامعة عريقة أن تفوّض رسم سياساتها الأكاديمية لجهة خارجية؟”.
استقلال في القرار

من جهته، قال حسن السلمي إن “ما يحدث في الجامعات السعودية من تولي أصحاب التخصصات العلمية المناصب الكبرى، يدفع إلى التساؤل عن أنساق التحيز لديهم”، موضحًا أن ذلك “قد يقود إلى تمكين تخصصاتهم وتجاهل غيرها، وهو أمر شديد الخطورة”.

وفي سياق موازٍ، قدّم فواز حمد الفواز قراءة مختلفة، إذ قال إن “حجب بعض التخصصات في جامعة الملك سعود قرار غير عادي، ليس لأهمية التخصصات في سوق العمل فقط أو حتى المفاضلة المالية، بل لما يعكسه من استقلال في القرار وشجاعة قد تغيّر نهج العمل الأكاديمي”.
وأضاف أن “نحو التميز، لدى المملكة جامعات عديدة يمكن أن تركز على تخصصات محددة، بدل أن تكون جامعة الملك سعود شاملة دون تركيز”، معتبرًا أن ذلك يطرح تساؤلات أوسع حول توجه التعليم العالي، من بينها مدى الجاهزية الأكاديمية للطلاب، والحاجة إلى التوسع في التعليم الفني، وربط البحث العلمي بالقطاع الخاص.

غير أن هذا الطرح لم يمر دون رد، إذ علّق محمد حمد القنيبط قائلاً “جامعة الملك سعود في واقعها «جامعة وطنية»، وهي الجامعة التي تُنشئها الدولة لتوفير التعليم الجامعي والعالي في غالبية التخصصات العلمية والتطبيقية والأدبية والإنسانية، وتكون مرجعية علمية للدولة ومركز أبحاث يخدم القطاعين العام والخاص”، مؤكدًا أن “هذا الدور لا يرتبط بمنطق العرض والطلب في سوق العمل”.
تفكيك البنى الثقافية
وأضاف مستشهدًا بنماذج عالمية مثل Harvard University وStanford University وMassachusetts Institute of Technology، أن الجامعات الكبرى، رغم تميزها، لا تتخلى عن تنوع التخصصات، بل تحافظ على شمولها المعرفي.

وفي سياق فكري أوسع، يُستدعى طرح عبدالله الغذامي، الذي يؤكد في أطروحاته أن العلوم الإنسانية تضطلع بدور جوهري في تفكيك البنى الثقافية وفهم المجتمع، ما يجعل تقليص حضورها داخل الجامعة محل قلق لدى منتقدين يرون في ذلك مساسًا بوظيفة المعرفة النقدية.
كما تتقاطع تعليقات متداولة مع هذا الاتجاه، حيث تشير إلى أن “العلوم الإنسانية لا تُقاس بعائدها الوظيفي المباشر، بل بدورها في بناء الإنسان القادر على الفهم والنقد”، في مقابل رأي آخر يرى أن مواءمة التعليم مع السوق تظل ضرورة، لكن دون أن تتحول إلى معيار وحيد يعيد تشكيل الخريطة الأكاديمية.
تشير المعطيات إلى أن الجدل لم يعد حول قرار محدد، بل حول معادلة دقيقة بين متطلبات الاقتصاد ووظيفة الجامعة المعرفية، في ظل تساؤلات متزايدة عن مستقبل التخصصات الإنسانية داخل مؤسسات التعليم العالي.
رصد زمني لتصاعد الجدل:
• البداية: إعلان قرارات تتعلق بتحديث مسارات القبول والتخصصات.
• ساعات لاحقة: تداول واسع للقرار على منصة “إكس”، مع تساؤلات حول إلغاء بعض التخصصات الإنسانية.
• اليوم الأول: بروز تعليقات نقدية مباشرة، أبرزها من فهد العرابي الحارثي.
• تطور النقاش: طرح حسن السلمي إشكالية التحيز للتخصصات العلمية.
• اتساع الطرح: تقديم قراءة داعمة لفكرة التميز والتركيز من قبل فواز حمد الفواز.
• ردود متبادلة: تعليق محمد حمد القنيبط الذي شدد على مفهوم “الجامعة الوطنية” ورفض اختزالها في منطق السوق.
• أمس: صدور البيان التوضيحي من جامعة الملك سعود.
• المرحلة الحالية: استمرار الجدل بين اتجاهين؛ أحدهما يدعم التحديث وربط التعليم بالسوق، وآخر يتمسك بدور الجامعة الشامل.



