أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
محليات

غاب العلم فظهرت “فلاليص” الجن..!

محمد السيدالأحد 26 أبريل 2026، 4:48 م
غاب العلم فظهرت “فلاليص” الجن..!

القطيف: زينب آل محسن

في البيوت الطينية القديمة، حيث تتداخل الظلال مع الحكايات، لم تكن الزوايا المعتمة مجرد مساحات مهجورة، بل مسرحًا مفتوحًا لمخاوف متوارثة وتفسيرات غيبية. هناك، في “الدار الغربية”، تبدأ الحكاية.

تستعيد أم مجتبى (48 عامًا) من العوامية ذكرى طفولتها، قائلة إن والدها كان يحذرها دومًا من النوم في زاوية بعينها من الدار الغربية بالمنزل. لم تكن الطفلة آنذاك تؤمن بتلك التحذيرات، فاختارت التحدي، ونامت حيث نُهيت.

تقول “استيقظت في صباح بدا عاديًا، ومارست يومي كأي طفل، حتى باغتني ألم مفاجئ في ساقي اليسرى. وحين نظرت، وجدت كدمة خضراء أسفل الركبة، كأنها أثر قبضة إصبعين قوية”.

تضيف “تذكرت تحذير والدي، وعرضت الأثر على والدتي، فأكدت لي أنها (فلصة جني). ومنذ ذلك اليوم، بقي أثرها في جسدي، كما بقيت الحكاية حيّة في ذاكرتي”.

وتشير إلى أن تلك الزاوية تحديدًا كانت تُنسج حولها الروايات، وأن من ينام فيها كثيرًا ما يستيقظ على كوابيس أو آلام غامضة.

الباحث عبدالرسول الغريافي

هذه الحكاية ليست حالة فردية، بل هي جزء من موروث شعبي واسع في المنطقة الشرقية. يوضح المهتم بالتراث عبد الرسول الغريافي أن مصطلح “فلصة الجني” كان التفسير السائد لكدمات تظهر فجأة دون سبب فيزيائي ظاهر.

ويضيف الغريافي “لم يكتفِ الوعي الجمعي آنذاك بالتفسير، بل اجتهد في ابتكار العلاج عبر (النفث) على موضع الكدمة 7 مرات، في محاولة لاسترداد العافية من أذى القوى الغيبية”.

استشاري الأمراض الوراثية، الدكتور عبدالله آل زايد

لكن مع تطور المعرفة الطبية، بدأت هذه الظواهر تُفهم من منظور مختلف، إذ يؤكد الدكتور عبد الله آل زايد، استشاري أمراض الدم بشبكة القطيف الصحية، أن مثل هذه الكدمات ليست بالضرورة غامضة، بل قد تكون مؤشرًا على أسباب صحية متعددة.

ويشير إلى أن من أبرزها نقص بعض العناصر الغذائية، مثل فيتامين “سي”، الذي يؤدي نقصه -وإن كان نادرًا- إلى ضعف الأوعية الدموية وسهولة تضررها.

كما يلفت إلى احتمال ارتباط هذه الكدمات باضطرابات نزفية وراثية، مثل الهيموفيليا أو مرض “فون ويلبراند”، أو نتيجة لنقص الصفائح الدموية أو خلل في وظائفها. ولا تقتصر الأسباب على أمراض الدم، بل قد تمتد إلى أمراض مناعية تهاجم الأوعية الدموية، أو إلى تأثيرات جانبية لبعض الأدوية، كمسيلات الدم.

ويضيف “بعض الكدمات قد تكون موجودة منذ الولادة، كالوحمات، وهي غالبًا غير مقلقة، بينما هناك كدمات طارئة تعكس تغيرات داخلية تستدعي الانتباه”.

ويؤكد زايد أهمية الفحص الطبي عند تكرار ظهور الكدمات دون سبب واضح، خاصة إذا صاحبتها أعراض أخرى مثل نزيف الأنف أو اللثة، أو النزيف المفرط بعد الإجراءات الطبية، أو غزارة الدورة الشهرية لدى النساء بشكل غير معتاد، مشيرًا إلى أن مثل هذه العلامات قد تُهمل رغم دلالتها الطبية المهمة.

بين الأمس واليوم، تتبدل الحكايات، لا لأن الظواهر اختفت، بل لأن تفسيرها تغيّر.

فما كان يُروى على أنه “فلصة جني”، أصبح اليوم إشارة طبية تستحق الفحص، لا الخوف.

وهكذا، حين غاب العلم، حضرت “فلاليص” الجن… وحين حضر، بدأت الحقيقة تتكشف.