الثلاثاء 13 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

الذي علمنا الدهشة

صُبرةالثلاثاء 28 أبريل 2026، 9:30 ص
الذي علمنا الدهشة

نزار المصطفى

يا محمد العلي (أبا عادل)، يا من تمشي الأعوام على كتفيه فلا تُثقله، بل تزداد به هيبة المعنى وشفافية الروح… نجيء إليك لا زائرين فحسب، بل عائدين إلى ينابيعنا الأولى، إلى ذلك الصوت الذي علّمنا أن للكلمة مقامًا، وأن للدهشة وطنًا، وأن الشعر ليس قولًا عابرًا، بل إقامةٌ في جوهر الحياة.

نجيء إليك، وفي ذاكرتنا “لا ماء يكفي لظمأ المعنى”، لكنك كنت الماء حين عزّ الماء، وكنت السحاب حين أقفرت اللغة. نجيء إليك، وقد قرأنا “وقوفًا بها” لا كعنوان مقال، بل كحالة إنسان يقف عند تخوم المعنى، يتأمل، يتساءل، ويمنح الأشياء أسماءها الجديدة.

يا أستاذنا، يا من اقترب من المائة ولم يبتعد عن الطفولة، كيف استطعت أن تظلّ فتيّ الدهشة، نقيّ الرؤية، كأنك تكتب العالم لأول مرة؟ كيف جعلت من القصيدة بيتًا يسكننا، لا ورقةً نمرّ بها؟ وكيف أقمت بيننا كل هذه المسافات من الجمال، ثم دعوتنا إليها بلا عناء؟

نحن لا نأتي لنطمئن عليك، بل لنطمئن بك… لأنك ما زلت، كما عهدناك، تمسك بخيط الضوء في عتمة المعنى، وتقول لنا: هنا الطريق، ولو بدا طويلاً. وما زالت كلماتك تفتح في أرواحنا نوافذ، كلما ضاقت بنا الجهات.

خذ من أعمارنا ما تشاء يا سيدي، واترك لنا هذا الامتداد فيك… هذا الصفاء الذي لا يشيخ، وهذا الأثر الذي لا ينطفئ. كن كما أنت: قصيدةً تمشي على قدمين، وطمأنينةً تُلقى في قلب اللغة.

وإذا كان للعمر ختام، فأنت علمتنا أن الكبار لا يُختمون… بل يبدؤون في كل قارئ جديد، وفي كل قلبٍ أصغى، وفي كل روحٍ تعلّمت منك أن الحياة، مهما امتد بها الزمن، تظل قابلة لأن تُقال… شعراً.