أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

القرآن أولاً 3 | حدُّ الزنا

صُبرةالجمعة 1 مايو 2026، 9:00 ص
القرآن أولاً 3 | حدُّ الزنا

الشيخ علي الفرج

{ وَٱلزَّانِیَةُ وَٱلزَّانِی فَٱجۡلِدُوا۟ كُلَّ وَ ٰ⁠حِدࣲ مِّنۡهُمَا مِا۟ئَةَ جَلۡدَةࣲۖ وَلَا تَأۡخُذۡكُم بِهِمَا رأۡفَةࣱ فِی دِینِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡیَوۡمِ ٱلآخِرِ وَلۡیَشۡهَدۡ عَذَابَهُمَا طَاۤىِٕفَةࣱ مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِینَ } [سُورَةُ النُّورِ: ٢]

هذه الآية تثبت بوضوح أن حدّ الزنا -سواء للمحصن أم غير المحصن، الرجل أم المرأة- هو: يُجلد كلٌّ من الزانية والزاني مائة جلدة، دون تساهل أو تعطيل بدافع الشفقة؛ لأنّ ذلك حكمٌ إلهي يجب إقامته مع الإيمان بالله واليوم الآخر، ويجب كفائيًا أن يحضر جماعة من المؤمنين لتنفيذ الحدّ؛ ليكون أبلغ في الردع والزجر للآخرين.

عرض المسلك الروائي

غير أنّ الفقهاء القائلين بمرجعية الروايات يرون أنّ الآية لا تُفهم على إطلاقها، وإنما تُقيَّد بما ورد في النصوص الروائية؛ وبناءً على ذلك قرّروا في كتبهم أنّ حد الزنا يتوزّع على خمس عقوبات أصلية، على النحو الآتي:

أولاً: الجلد: وهو الحدّ الشرعي للزاني غير المحصن، رجلًا كان أو امرأة، إذا كان بالغاً عاقلاً حرّاً، ومقداره مائة جلدة.

ثانياً: القتل: وهو حدّ الزنا في موارد خاصّة، منها: الزنا بالمحارم النسبية كالأم والأخت والبنت، أو إكراه المرأة على الزنا (الاغتصاب)، أو زنا غير المسلم بالمسلمة، وكذلك من تكرّر منه الزنا بعد إقامة الحدّ عليه ثلاث مرّات، فإنّه يُقتل في الرابعة.

ثالثاً: الرجم: وهو الحدّ المقرّر للزاني المحصن، سواء كان رجلًا أو امرأة.

رابعًا: الجلد ثم الرجم: وهو حد الشيخ والشيخة إذا زنيا مع كونهما محصنين، فيُجلدان أولًا مائة جلدة ثم يُرجمان. وكذلك إذا وقع الزنا في الأماكن المقدّسة كالمساجد، أو إذا وقع الزنا في الأزمنة المعظَّمة كشهر رمضان، فيُضمّ إلى حدّ الجلد عقوبة الرجم تشديدًا في العقاب. وكذلك يُذكر نظير ذلك في بعض الموارد الشديدة القبح، كمن واقع امرأةً ميتة، حيث يُلحظ فيها تغليظ العقوبة لعِظَم الجناية.

خامسًا: الجلد والتغريب والجزّ: وهذا الحدّ يختصّ بالبِكر، أي من عُقد له على زوجة ولم يحصل منه الدخول.

مسلك مرجعية القرآن

عند التأمل في روايات أهل البيت (ع) في هذا الباب، ولا سيما ما دلّ على الرجم، يظهر أنها بلغت حدّ الاستفاضة، بل لا يبعد دعوى تواترها إجمالًا؛ لكثرة طرقها وتعدّد جهات نقلها، مع تلقّي أصحاب الأئمة (ع) وتطبيقها منهم والارتكاز الشرعي.

وبعد البناء على طرح احتمال الوضع والاختلاق في الروايات، يمكن توجيه هذه الأخبار توجيهًا علميًّا مقبولًا في مقام الجمع بينها وبين الآية، وذلك عبر التفكيك بين سنخين من الأحكام:

الأوّل: الحكم الإلهي الأوّلي الثابت بنص الكتاب: (والزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة..)، وهو حكم تشريعي ثابت ومستمر إلى يوم القيامة، لا يطرأ عليه نسخ ولا زوال.

الثاني: الحكم الولائي الطارئ الصادر عن الحاكم الشرعي أو القاضي: وهو حكم ثانوي تدبيري يقوم على رعاية المصالح العامة وحفظ النظام، وقد يقتضي في بعض الموارد تشديد العقوبة أو تطبيق حد آخر كالرجم أو القتل في خصوص المحصن، وذلك ضمن حدود صلاحيات الولاية الشرعية.

إذن، فلا منافاة بين مدلول الآية الشريفة وبين مفاد تلك الروايات؛ إذ كلٌّ منهما ناظر إلى حيثية مغايرة: فالآية في مقام بيان الحكم الأوّلي المستمر، والروايات في مقام بيان تطبيقات ولائية أو موارد خاصّة اقتضتها المصلحة المؤقتة أو أماكن دون أخرى أو غيرها، فيرتفع التعارض بدعوى اختلاف المرتبة والجهة.

وهذه الفكرة، وتقسيمها إلى قسمين من الأحكام، تُنهي التعارض بين الآية والروايات، فتتلاشى الشبهة، ويظهر انسجام النص القرآني مع ما ورد عن أهل البيت (ع) عند الجمع بينهما.

ومن المؤيّدات التطبيقيّة لهذا المسلك ما دلّت عليه طائفةٌ وافية من الروايات الواردة في أبواب متعدّدة (وسائل الشيعة: باب القضاء والشهادة، وباب الحدود والتعزيرات، وباب القصاص والديات)، من ثبوت سعة في صلاحيات الإمام أو الحاكم الشرعي في مقام التنفيذ، بحيث يملك التدخّل بالتخفيف أو التشديد أو الإرجاء تبعًا لمقتضيات المصلحة العامّة؛ فإن حقيقة الولاية الشرعية إنما تقوم على التدبير بما يحقق صلاح الأمة ويحفظ نظامها، لا على الانقياد لرغبات الأفراد أو أهوائهم، ولا على توظيفها لتثبيت الكرسي.

ويشهد لهذا المبنى شاهد قرآني واضح على شرعية الحكم الولائي بحسب المصلحة الزمانية أو المكانية، وهو قوله تعالى: ﴿فَإِن جَاءُوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [المائدة: ٤٢].

فإنّ الآية الشريفة تُثبِت للنبيّ (ص) ـ بوصفه رأس السلطة الشرعيّة ـ سعة الخيار في مقام القضاء والتنفيذ بين تثبيت الحكم أو الإعراض عنه، وهو نحوٌ من التخيير الولائي يكشف عن أنّ ممارسة السلطة القضائيّة ليست آليّة جامدة في جميع الأزمنة أو الأمكنة، وإنما هي دائرةٌ تدبيريّة تُدار وفق المصلحة والعدل الإلهي في التطبيق.

النتيجة المستخلصة

النتيجة على هذا المبنى: تدخل حدود الزنا في دائرة التفصيل بين الحكم الأوّلي الثابت، والحكم الثانوي الولائي الطارئ؛ فإن لم يَرَ الحاكم الشرعي مصلحة خاصّة تستدعي تدخّلًا تدبيريًا، رجع إلى الحكم الإلهي الأولي الثابت في الكتاب، وهو جلد مائة جلدة للمحصن أو غير المحصن.

أما إذا رأى مصلحة راجحة في ظرف معيّن ـ كحالة انتشار الفاحشة في مدينة أو زمان خاص، وما يترتّب عليه من تزلزل النظام الأخلاقي والاجتماعي ـ جاز له، في حدود ولايته الشرعيّة، أن يتدخّل بتدبير ولائي يهدف إلى الردع الأشدّ وحفظ النظام العام.

وبذلك يبقى الحكم الإلهي الأوّلي محفوظًا على إطلاقه بوصفه تشريعًا دائمًا، ويأتي التدبير الولائي بوصفه إجراءً مؤقّتًا مرتبطًا بالظروف والمصالح، من دون أن يلزم منه رفع الحكم الأوّلي أو تقييده في مقام التشريع، وإنما في مقام التطبيق والتنفيذ.