160 يداً ناعمة تتوشّح بالزيوت والزراديات في “صناعي الدمام”

الدمام: صُبرة
لم يكن المشهد عادياً. فتيات يدخلن إلى ورش تدريبية اعتادت أن تضجّ بأصوات الرجال، لكن هذه المرة بأيدٍ ناعمة، وفضولٍ واضح، وخطوة أولى نحو عالمٍ مختلف.
160 يدًا شابة، عبر ثلاث نسخ من برنامج «بيدي»، قررت أن تجرّب ما لم يكن في حسابها: أن تفتح محرّك سيارة، أن تركّب أنبوب ماء، أن تفكك جهازاً كهربائياً وتعيده إلى الحياة.

في إحدى الزوايا، تنحني فتاة فوق محرّك مفتوح. في البداية تكتفي بالمراقبة، ثم تمد يدها بتردد، تمسك المفتاح، وتبدأ بفكّ البراغي واحدة تلو الأخرى. دقائق تمرّ، ويتحوّل التردد إلى تركيز. تقول بصوت خافت، وكأنها تكتشف شيئاً جديداً عن نفسها: “كنت أظن أن هذا معقد جداً… لكنه مفهوم إذا جرّبته”. لحظة بسيطة، لكنها كافية لتبديل صورة كاملة عن مهنة ظلت بعيدة.

في الجهة المقابلة، تقف مجموعة أخرى أمام أنابيب ووصلات مياه. الماء هنا ليس مجرد تدفّق، بل نظام يحتاج إلى دقة. تركّب إحداهن وصلة، تختبرها، يتسرّب الماء قليلاً، تضحك، ثم تعيد المحاولة. في المرة الثانية يثبت الأنبوب بإحكام. “كنت أستدعي سبّاكاً لكل شيء”، تقول، “اليوم أعرف من أين أبدأ”. ليست مهارة فقط، بل استقلالية صغيرة تتشكّل.

أما الطاولات التي امتلأت بالأجهزة الكهربائية المفككة، فقد تحولت إلى مساحة مواجهة مباشرة مع الخوف. أسلاك، دوائر، قطع صغيرة تبدو معقّدة في ظاهرها، لكن مع الشرح والتجربة تبدأ الصورة في الوضوح. تمسك إحدى المشاركات بجهاز لم يعد يعمل، تتبّع الخلل، تعيد تركيب القطع، ثم تضغط زر التشغيل. لحظة صمت قصيرة… ثم يعمل الجهاز. تبتسم، وكأنها ربحت أكثر من مجرد إصلاح عطل.

هذه التفاصيل اليومية الصغيرة هي جوهر برنامج «بيدي» في نسخته الثالثة، الذي ينفّذه المعهد الصناعي الثانوي بالدمام بإشراف الإدارة العامة للتدريب التقني والمهني بالمنطقة الشرقية. البرنامج، الذي يمتد خمسة أيام، استهدف في هذه النسخة 80 فتاة، ليصل إجمالي المستفيدات إلى 180 فتاة بعد نجاح النسختين السابقتين.

لا يقدّم البرنامج تدريباً نظرياً بقدر ما يفتح الباب للتجربة المباشرة. المشاركات ينتقلن بين مسارات متعددة: صيانة الأجهزة الكهربائية المنزلية، ميكانيكا السيارات، التمديدات الصحية، والتكييف والتبريد، إلى جانب برامج مهنية مساندة. الفكرة ليست في إتقان المهنة خلال أيام قليلة، بل في كسر الحاجز الأول، وإعادة تعريف العلاقة مع هذه الأعمال.

ويُنفّذ البرنامج بشراكة مجتمعية مع عدد من الجمعيات، بينها «معمار» و«عطاء للمبادرات المجتمعية»، في نموذج يربط التدريب بالواقع، ويجعل من الورشة مساحة مفتوحة للتعلّم والتجريب، لا بيئة مغلقة أو مقيّدة.
مدير المعهد الصناعي الثانوي بالدمام المهندس إسماعيل عباس المطاوعة يؤكد أن البرنامج يأتي ضمن مبادرات المسؤولية المجتمعية، ويهدف إلى دعم التوجهات الوطنية في تمكين الفتيات وفتح مسارات مهنية جديدة أمامهن. لكنه، في الواقع، يتجاوز الأهداف الرسمية إلى ما هو أبسط وأعمق: تغيير الفكرة الراسخة عن هذه المهن.

ما يحدث داخل هذه الورش ليس مجرد تدريب قصير، بل إعادة تشكيل تدريجية للصورة الذهنية. فتاة تمسك مفكاً لأول مرة، وأخرى تكتشف أن إصلاح عطل منزلي ليس مهمة معقّدة، وثالثة تبدأ بالتفكير في خيار مهني لم يكن وارداً في ذهنها. التحوّل لا يُقاس بعدد الساعات، بل بالثقة التي تتكوّن في كل محاولة.
خمسة أيام قد لا تصنع مهندسة محترفة أو فنية متخصصة، لكنها تصنع بداية. بداية علاقة جديدة مع العمل اليدوي، ومع فكرة الاعتماد على الذات، ومع مساحة أوسع للاختيار. من «لا أعرف» إلى «دعيني أجرّب»، ومن «هذه مهن للرجال» إلى «يمكن أن تكون لي أيضاً».
هكذا، وبهدوء، تتوشّح الأيدي الناعمة بالزيوت… لا لتفقد نعومتها، بل لتكتسب معنىً جديداً.






