أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
محليات

متدربات “صناعي الدمام”: شكراً للأيام الأربعة.. والأثر أبقى

محمد السيدالثلاثاء 5 مايو 2026، 9:52 م
متدربات “صناعي الدمام”: شكراً للأيام الأربعة.. والأثر أبقى

الدمام: ياسمين الدرورة

في أربعة أيام فقط، دخلت 80 متدربة إلى المعهد الصناعي الثانوي بالدمام وهنّ يحملن أسئلة حائرة، وسقفاً منخفضاً لتوقعات ما يمكن أن ينجزنه بأيديهن. لكنهن خرجن بعد ذلك بأثرٍ لا يُقاس بالوقت.. بل بما تغيّر في داخلهن.

لم تكن الورش مجرد تدريب تقني، بل كانت لحظات شخصية تُختبر فيها الجرأة، وتُعاد فيها صياغة العلاقة مع “الأشياء البسيطة” التي كانت تبدو بعيدة أو معقدة. داخل المعهد، لم يكن الدخول مجرد عبور إلى قاعة تدريب، بل كان انتقالاً هادئاً من “رهبة المجهول” إلى “فضول التجربة”. هناك.. بدأت الرحلة.

سخان البيت.. بداية مختلفة

زهرة النخلي لم تنتظر وقتاً مثالياً؛ ففي بيتها، وأمام سخان متعطل وأطفال يراقبون، قررت أن تطبق ما تعلمته. بدأت بخطوات مترددة، لكن الفضول والشجاعة قاداها، وشيئاً فشيئاً.. عاد السخان للعمل.

تضحك وهي تقول: “هذا إنجازي الصغير”.. لكن هذا “الصغير” كان لحظة فارقة أثبتت لها: “أنا أستطيع”. وثّقت زهرة التجربة وصورتها لتعرضها على المدرب، ولم يكن الهدف نيل الإشادة، بل تثبيت ذلك الشعور الجديد بالتمكن.

المهندس أحمد الأصمخ

تفاصيل صغيرة.. وثقة أكبر

أما زهرة المالكي (49 عاماً)، فقد جاءت إلى البرنامج بقلبٍ مفتوح للتعلم بعد ترشيحها عبر “جمعية بناء”. لم تكن تتوقع أن كابل إنترنت معطلاً في المنزل سيتحول إلى لحظة إثبات ذات. بمساعدة أبنائها، جربت وأعادت التوصيل.. ونجحت. عاد الاتصال بالشبكة، والأهم من ذلك أن الثقة عادت معها. تقول زهرة: “ليس بالضرورة أن أنجز أشياء عظيمة، يكفيني فخراً أن أصلح الأشياء البسيطة بنفسي”.

تعلمت زهرة أيضاً أساسيات التكييف؛ من تنظيف وحدات “السبليت”، والتعامل مع تسريبات المياه، وفهم طبيعة الأعطال. ما كان يبدو لغزاً معقداً، أصبح اليوم مفهوماً ومقدوراً عليه.

سعد آل رضوان

سيارة.. وحلم يتشكل

في زاوية أخرى، كانت بشائر الحربي (35 عاماً) تقتحم عالماً كان حكراً على الرجال. تقود بشائر سيارتها منذ سنوات، لكنها قررت هذه المرة أن تفهم كوامنها؛ فتعلمت تغيير “البواجي” (شمعات الاحتراق)، وتبديل الزيت، وفحص الإطارات، والتعامل مع البطارية، وحتى كيفية رفع السيارة.

تقول بشائر: “في حالات الطوارئ، هذه المهارات تعني الأمان”. ثم تضيف بابتسامة طموحة: “أطمح أن يكون لي يوماً مشروعي الخاص.. ورشة متكاملة لإصلاح السيارات”. لم تعد السيارة مجرد وسيلة نقل، بل أصبحت نواة لفكرة استثمارية.

من التأسيس.. إلى التمكين

في المحطة الأولى، مع المهندس عبدالله حيان، بدأ كل شيء نظرياً، لكنه لم يكن جافاً؛ فقد كان يضع حجر الأساس لتمشي المتدربات بثقة لاحقاً. تعرفن على الأسلاك لا كقطع معزولة، بل كمنظومة متكاملة: فهمت المتدربات الفرق بين الخط الحار (LINE) والبارد (NEUTRAL) والأرضي، ودلالات الألوان الوظيفية لضمان الأمان.

انتقلن بعدها إلى التفاصيل الدقيقة: كيف تُعرّى الأسلاك بحذر دون إتلاف الشعيرات الداخلية، وكيفية اختيار مقطع السلك وسماكته بناءً على كمية التيار، حتى لا يتحول الاستخدام اليومي إلى خطر صامت. كانت لحظة “إدراك” أعمق بكثير من مجرد “شرح”.

المهندس صالح الغامدي

مهارات تُفهم.. لا تُحفظ

وفي مسار التبريد والتكييف، كان المهندس صالح جمعان الغامدي مرافقاً لهن خطوة بخطوة. تعلمن تنظيف المكيفات باستخدام مضخات المياه المخصصة، وكيفية ثني المواسير النحاسية حول الوصلات بإحكام. مهارات قد تبدو بسيطة، لكنها كانت المفاتيح التي فتحت لهن أبواب فهم أجهزة يتعاملن معها يومياً.

حين تتحول المعرفة إلى مهارة

وفي ورشة الميكانيكا، لم يتوقف الأمر عند حدود المشاهدة. في لحظة عملية، تقدمت إحدى المتدربات، وأمسكت بالرافعة، ورفعت السيارة بنفسها؛ لم يكن ذلك استعراضاً للقوة، بل تطبيقاً لإجراءات السلامة لتبديل إطار تالف. ثم فكت “البواجي” الأربعة واستبدلتها بيديها. تلك اللحظة اختصرت الفلسفة كلها: حين تُمارس المعرفة، تتحول فوراً إلى ثقة.

أثر لا يُقاس بالأيام

ما حدث خلال تلك الأيام الأربعة تجاوز حدود التدريب التقليدي؛ فقد كان إعادة تعريف لما يمكن أن تصنعه اليد حين تدعمها الثقة. حين تصلح امرأة سخان بيتها، أو تعيد تشغيل الإنترنت، أو تغير إطار سيارتها، فهي لا تنجز مهمة تقنية فحسب، بل تُعيد رسم صورتها الذهنية عن قدراتها.

هنا، تصبح التفاصيل الصغيرة بداية لشيء عظيم، ويتحول التعلم السريع إلى أثرٍ مستدام يبدأ من المنزل.. ويمتد إلى آفاق أبعد.