أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أخبارهم

من لغتي ولدت.. بين الصوت والصدى

صُبرةالخميس 7 مايو 2026، 11:27 ص
من لغتي ولدت.. بين الصوت والصدى

فاطمة عبدالمنعم

في لحظة تأملٍ عميقة داخل العيادة، قالت: “طوال السنوات الماضية، كنت أظن أنني أملك حياتي بيدي، وأن كل فكرة هي فكرتي، وهذا الرأي رأيي، ونظرتي للحياة ظننت أنني أنا من شكّلها. لكنني الآن، حين سمعت صوتي وأنا أتحدث، أدركت أن هذا الكلام لم يكن كلامي، بل كان صوتهم، وهذا الخوف ليس خوفي الخاص. حتى كلماتهم لم تكن ملكًا لهم، وخوفهم لم يكن نابعًا منهم، بل هو موروثٌ ممتد، لا يعيش في البيوت فحسب، بل يتغلغل في كل زوايا المجتمع”.

وبعد دقائق من الصمت، قالت وهي تستذكر اقتباسًا لـ محمود درويش من نص “أنا لغتي”: “الآن فقط استطعت أن أفصل بين ما هو “أنا”، وبين ما يربطني بهم”. كانت هذه هي “الولادة الحقيقية”، كما وصفها درويش بقوله: “من لغتي وُلدتُ”.

ومن هنا نتعرف على المرآة الاجتماعية:

رؤية الذات بعيون “الآخر “

إن الخطوة الأولى للولادة هي هذا الفصل بين الذات والآخر. ففي نظرية التفاعل الرمزي، تتشكل الذات مما يكتسبه الإنسان، وما يحاكيه ويقلّده في طفولته؛ حيث تتكون “المرآة الذاتية” حين يرى الإنسان نفسه من خلال انعكاس ردود فعل الآخرين تجاهه. نحن لا نعرف ذواتنا بشكل مباشر، بل من خلال “انعكاس” تقييماتهم لنا؛ فإذا كان الأهل أو المجتمع يرى فينا شجاعةً أو خوفًا، قوةً أو عجزًا، فإننا نتبنى هذه الصورة كأنها حقيقتنا المطلقة.

فيغيب صوت الإنسان بين ضوضاء الآخرين، وفي العيادة يكون هذا الصمت؛ لتبدأ الذات بسماع صوتها، ويبدأ التمييز بين “الصوت” و”الصدى”.

بين “الصوت” و”الصدى”

تبدأ لغة الإنسان الحقيقية في تلك اللحظة التي وصفتها بـ”الولادة”. فاللغة ليست مجرد أداة للتواصل، بل هي أداة لـ”التفرّد”.

فالصدى: هو تكرار كلمات الإعلام، ومخاوف الأهل، وقوالب المجتمع الجاهزة دون وعي.

أما الصوت: فهو القدرة على استخدام الكلمات نفسها، ولكن بنبرةٍ تخصك أنت، وبمعنى نابع من تجربتك الذاتية.

والتميّز هنا لا يعني القطيعة مع المجتمع أو الأهل؛ فنحن كائنات اجتماعية بالضرورة، بل يعني الانتقال من “المحاكاة العمياء” إلى “التفاعل الواعي”. ويتجلّى هذا الصوت في أبهى صوره لدى الفنانين التشكيليين والأدباء؛ فالألوان هي الألوان، لكن اللوحة لوحتهم، والكلمات هي الكلمات، لكن القصة قصتهم.

الولادة كفعل انفصال

الولادة البيولوجية تفصل الجسد عن الجسد، لكن الولادة النفسية تفصل “الذات” عن “لغة الآخر”. وكما جاء في اقتباس درويش، فإن اللغة هي الوطن الذي نبنيه بأنفسنا. وعندما نفصل بين “أنا” وبين “ما يربطني بهم”، فإننا لا نلغي الرابط، بل نجعله رابطًا بين ذوات مستقرة، لا ذوبانًا في خوفٍ جماعي متوارث.

في نهاية المطاف، تبقى الرحلة الحقيقية هي رحلة العودة إلى الذات عبر مخاض اللغة؛ وهو مخاض طويل وصعب، قد يكون عسيرًا ومؤلمًا، لكن بعده تبدأ الحياة.

ومن هنا يأتي التساؤل:

هل أنت صوتك… أم أنك صدى لصوت الآخر؟