تجارة الجلود تستنزف حمير الكوكب

متابعات: صُبرة
اليوم الجمعة 8 مايو، يعود «اليوم العالمي للحمير» محمّلًا بأسئلة ثقيلة أكثر من كونه مناسبة احتفالية؛ فالحيوان الذي رافق الإنسان منذ آلاف السنين في الحقول والطرقات والجبال، يواجه اليوم واحدة من أصعب مراحله، مع تصاعد تجارة عالمية تقوم على جلده، لا على جهده فقط.

الحمار، الذي ظلّ طويلًا رمزًا للصبر والتحمل والعمل الشاق، بات في عدد من الدول هدفًا لسوق متنامية تستنزف أعداده عامًا بعد آخر، وسط تحذيرات منظمات دولية من أن بعض المناطق بدأت تشهد تراجعًا حادًا في أعداد الحمير، بعد أن تحولت من «رفيق للفقراء» إلى مادة خام مطلوبة تجاريًا.
العالم على ظهره
تقدّر منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة وجود ما بين 40 و50 مليون حمار حول العالم، يعيش معظمها في الدول النامية، حيث لا تزال ملايين الأسر تعتمد عليها في نقل المياه والمحاصيل والحطب والبضائع، وفي الأعمال الزراعية اليومية.

وتتركز الكثافات الكبرى للحمير في أفريقيا وآسيا، فيما تتصدر إثيوبيا قائمة الدول الأكثر امتلاكًا لها، بأكثر من 10 ملايين حمار، تليها السودان وباكستان وتشاد والمكسيك.
وفي كثير من القرى الفقيرة، لا يُنظر إلى الحمار كحيوان عادي، بل كوسيلة حياة كاملة؛ ينقل الغذاء والماء، ويحمل المحاصيل، ويختصر مشقة الطريق في المناطق التي تعجز المركبات الحديثة عن الوصول إليها.
من الخدمة إلى الذبح
لكن العلاقة القديمة بين الإنسان والحمار تبدلت بصورة قاسية خلال السنوات الأخيرة، مع تنامي الطلب العالمي على جلود الحمير، المستخدمة في بعض الصناعات التقليدية ومنتجات الطب الشعبي.
وتشير تقارير دولية إلى أن ملايين الحمير تُذبح سنويًا لتلبية هذا الطلب، فيما نشأت أسواق تهريب وشبكات تجارة عابرة للحدود تستهدف الحمير في الدول الفقيرة تحديدًا.
وفي بعض المناطق، لم يعد الحمار يُسرق للعمل أو النقل كما كان يحدث قديمًا، بل يُسرق من أجل جلده فقط.

تراجع يثير القلق
الإحصاءات الحديثة تكشف عن تراجع مقلق في أعداد الحمير في عدد من الدول.
ففي البرازيل، انخفضت أعداد الحمير بنسبة قاربت 94% خلال نحو ثلاثة عقود، بينما سجلت الهند تراجعًا كبيرًا تجاوز 70% خلال سنوات قليلة، نتيجة تقلص استخدامها من جهة، وتصاعد تجارة الجلود من جهة أخرى.
ويرى مختصون أن الخطر لا يتعلق بالحيوان وحده، بل بالمجتمعات الفقيرة التي تعتمد عليه؛ إذ إن اختفاء الحمير يعني فقدان وسيلة نقل وعمل أساسية لملايين البشر.

أفريقيا.. الملاذ الأخير
ورغم هذا التراجع، لا تزال أفريقيا تمثل الخزان الأكبر للحمير في العالم، بسبب استمرار الاعتماد عليها في القرى والأرياف والأعمال الزراعية.
لكن منظمات الرفق بالحيوان تحذر من أن هذا «الخزان» نفسه بات تحت الضغط، مع توسع الطلب التجاري على الجلود، وضعف الرقابة في بعض الدول، واتساع عمليات التهريب والذبح غير النظامي.

يوم عالمي بطعم المرارة
بدأ «اليوم العالمي للحمير» عام 2018 كمبادرة للتوعية بأهمية هذا الحيوان والدعوة إلى تحسين معاملته، قبل أن ينتشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي وجمعيات الرفق بالحيوان في دول عدة.
لكن المناسبة، التي توافق هذا العام يوم الجمعة، تبدو مختلفة؛ إذ لم تعد القضية مرتبطة فقط بالسخرية من الحمار أو سوء معاملته، بل بمصيره نفسه.
فبعد قرون استغل فيها الإنسان الحمار في الحقول والأسفار وحمل الأثقال، يبدو أن العالم وجد طريقة جديدة لاستهلاكه… حتى آخر ما فيه: الجلد.




