أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

ميلودراما الشعر السعودي: الحزن أداءً

محمد السيدالأحد 10 مايو 2026، 2:18 م
ميلودراما الشعر السعودي: الحزن أداءً

محمد المخرق

حين تبالغ القصيدة في البكاء يظن بعض القراء أن المشكلة في العاطفة نفسها.

لكن الشعر ظل عبر تاريخه مساحة لتحويل الانفعال الإنساني إلى لغة ورؤية وإيقاع.. وتبدأ الإشكالية حين تصبح العاطفة جاهزة أكثر من التجربة، وحين تتحول القصيدة من اكتشاف شعوري إلى إعادة إنتاج لنبرة مألوفة.

هنا تحديداً تقترب القصيدة من الميلودراما.

غير أن الميلودراما في الشعر ليست مفهوماً سهلاً أو مستقراً كما في الرواية أو السينما. ففي السرد يمكن ملاحظة المبالغة عبر الحدث أو بناء الضحية أو افتعال المصادفات، بينما يعيش الشعر أصلاً داخل منطقة مرتفعة الحساسية.

القصيدة بطبيعتها تميل إلى التكثيف والانفعال والمجاز واللغة المشحونة. ولهذا يصبح السؤال أكثر تعقيداً: متى تكون القصيدة عالية الغنائية؟ ومتى تصبح أسيرة فائضها العاطفي؟

الميلودراما الشعرية هي اللحظة التي تكف فيها العاطفة عن أن تكون كشفاً، وتتحول إلى أداء لغوي يعرف مسبقاً كيف ينبغي للتأثر أن يبدو.

هذا الالتباس يجعل الحديث عن الميلودراما في الشعر السعودي الحديث موضوعاً حساساً؛ فالثقافة نفسها أخذت تميل تدريجياً إلى استهلاك الألم بوصفه صورة جمالية جاهزة.

في كثير من النصوص المعاصرة، يظهر الحزن على أنه شعورٌ تعرفه اللغة مسبقاً، وتعيد تدويره عبر مفردات مألوفة.. الليل، الوحدة، الغياب، المطر، الرماد، القلب المتعب، والذاكرة المنكسرة. والإشكال هنا يرتبط بعلاقة هذه المفردات بالتجربة نفسها.

هل وُلدت هذه اللغة من ضرورة داخلية فعلاً؟

أم أن القصيدة تتحرك داخل مخزون عاطفي جاهز ثقافياً؟

القصيدة العميقة تخلق لغتها الخاصة كي تحتمل ما تشعر به، ولهذا يمكن التمييز بين نوعين من العاطفة الشعرية: عاطفة تنتج رؤية، وعاطفة تنتج أداءً.

في الحالة الأولى، تصبح القصيدة طريقة جديدة لرؤية العالم. حتى الحزن يظهر هنا بوصفه وعياً مختلفاً بالأشياء. في شعر محمد الثبيتي مثلاً، تتحول الصحراء إلى بنية داخلية للذات؛ فالمكان عنده يعيد تشكيل الإحساس بالعالم، ولهذا تبدو الحسرة في قصائده أقرب إلى القلق الوجودي من الشكوى المباشرة.

وفي تجربة الثبيتي، يتسرب الحزن من علاقة الذات بالمكان والفراغ والنداء. فالصحراء تظهر كبنية داخلية تعيد تشكيل الصوت الشعري نفسه. القلق في شعره لا يقول: (أنا حزين)، لكنه يجعل العالم مأخوذاً بنداء غامض، كأن الذات تبحث عن موضعها داخل كون واسع ومفتوح.

هنا تتضح المسافة بين الغنائية العميقة والميلودراما. فالثبيتي يبني حزنه عبر توتر الصورة واتساع المكان، بعيداً عن التكديس الشعوري الجاهز. ولهذا يبدو الحزن عنده أقل قابلية للاقتباس السريع، وأكثر احتياجاً إلى إعادة قراءة. إنه حزن يُعاش كتجربة رؤية، لا كأثر عاطفي مباشر.

أما في الحالة الثانية، فتكتفي القصيدة بإعادة تمثيل الحزن. تصبح اللغة واعية بنبرتها إلى درجة تجعلها تتحرك داخل صورة جاهزة عن (الشعرية). هنا يتحول الألم إلى أداء جمالي مستمر، وتفقد القصيدة شيئاً من خطرها الحقيقي؛ لأن الشعور يُعاد ترتيبه داخل قوالب مألوفة بدل أن يُكتشف من الداخل.

ويمكن ملاحظة ذلك في عدد كبير من النصوص الشعرية الرقمية القصيرة، حيث تتكرر البنية ذاتها تقريباً: ذات مكسورة، ليل طويل، غياب، ذاكرة، مطر، وقلب يعلن تعبه باستمرار. وغالباً يأتي التأثير من تضخيم النبرة أكثر من عمق التجربة.

الأخطر أن بعض هذه النصوص تؤدي صورة الحزن المتوقعة ثقافياً أكثر مما تكتشفه بوصفه تجربة خاصة.

فاللغة هنا تبدو واعية مسبقاً بالشكل المتوقع للحزن. ولهذا تمتلئ القصيدة بأفعال شعورية جاهزة: أبكي، أشتاق، أنهار، أختنق، أغرق، بينما تبقى الصورة الشعرية متوقفة عند المجاز المستهلك نفسه: مطر يرمز للحزن، وليل يرمز للوحدة، ونافذة ترمز للغياب.

ولكي لا يبقى الكلام عاماً، يمكن تفكيك نموذجين متقابلين: نموذج شعري عربي ينجح في تحويل الانفعال إلى رؤية، ونموذج آخر يتعثر حين يكتفي بأداء الحزن.

في قصيدة مثل (لا تصالح) لـ أمل دنقل، تبدو النبرة عالية جداً، غير أن هذا العلو لا يتحول إلى ميلودراما؛ لأن الانفعال متداخل مع البناء الشعري نفسه. فالجملة الآمرة: (لا تصالح) تعمل بوصفها محوراً إيقاعياً وأخلاقياً تتكرر حوله الصور والأسئلة والنداءات. وهكذا يصبح الغضب منتجاً للمعنى، ويدفع القارئ إلى موقف يتجاوز التأثر اللحظي.

في المقابل، يمكن تصور نص شعري متعثر يقول: (أغرق في ليلي، وأجمع قلبي من رماد الغياب، أبكيك حتى يبتل المطر، وأختنق كلما مرّ اسمك في الذاكرة.)

هذا النموذج لا يُذكر بأنه نصٌ لشاعر بعينه، ولكن بوصفه صيغة متكررة في الكتابة الرقمية. وعطبه يظهر في أن الحزن لا ينتج صورة جديدة أو علاقة مختلفة بالعالم. فالمفردات كلها تتحرك داخل قاموس متوقع: الليل، الرماد، الغياب، المطر، الذاكرة، الاختناق. ولهذا تؤكد الصورة ما يعرفه القارئ مسبقاً بدل أن تكشف له شيئاً جديداً.

ويظهر ضعف النص أيضاً في حركة الجملة نفسها. فالفعل (أبكي) يقدّم الشعور مباشرة دون بناء داخلي، وصورة (رماد الغياب) تبدو مستهلكة لكثرة تداولها، بينما يظل الإيقاع مستوياً يفتقد الانقطاع والمفاجأة والتوتر الداخلي. وهكذا تخبرنا اللغة بالحزن أكثر مما تجعلنا نعيشه.

ولا تظهر الميلودراما في المعنى وحده، وإنما في الطريقة التي تتحرك بها الجملة الشعرية نفسها. فالنص الميلودرامي يميل غالباً إلى الترهل الإيقاعي؛ لأن اللغة تستمر في الدوران حول الشعور ذاته دون دفعه نحو تحول داخلي. كما يضعف الاقتصاد اللغوي لصالح الشرح العاطفي، فتشرح القصيدة إحساسها أكثر مما تبنيه.

حتى الاستعارة تفقد كثافتها أحياناً؛ لأنها تُستخدم بوصفها علامة جاهزة على الحزن أكثر من كونها أداة لإعادة تشكيل العالم. يتحول المطر والليل والنافذة والرماد إلى إشارات مستقرة يمكن توقعها مسبقاً، فتضعف المفاجأة الشعرية ويبهت التوتر الدلالي داخل الصورة.

وفي المقابل، تعمل القصيدة العميقة باقتصاد أعلى وثقة أكبر في لغتها. تترك فراغات وبياضات تسمح للصمت بالمشاركة في إنتاج المعنى.

ولهذا كثيراً ما تبدو الجملة الشعرية القوية أقل انفعالاً على السطح، وأكثر اضطراباً في الداخل.

والمقصود هنا ليس الدفاع عن الغموض كقيمة مستقلة، فالكثافة الشعرية لا ترتبط دائماً بالتعقيد، كما أن البساطة ليست نقيضاً للعمق. بعض القصائد الأكثر اختزالاً وهدوءاً تحمل توتراً إنسانياً أعلى من نصوص مكتظة باللغة والانفعال.

ومع ذلك، تبدو المسألة أكثر تعقيداً من اختزالها في ثنائية سهلة بين (العمق) و(المباشرة).

فالاتهام بالميلودراما قد يتحول أحياناً إلى شكل من النخبوية النقدية التي تنظر بشك إلى كل تعبير شعوري واضح. كما أن الاقتصاد اللغوي وحده لا يصنع قصيدة عميقة بالضرورة، مثلما أن الانفعال المرتفع لا يقود تلقائياً إلى السطحية.

فالشعر العربي عرف دائماً أشكالاً مختلفة من الغنائية والبوح، بدءاً من المراثي القديمة وصولاً إلى قصيدة الاعتراف الحديثة، كما أن الشعر الشعبي نفسه يقوم في جانب كبير منه على المباشرة العاطفية والوضوح الوجداني دون أن يفقد أثره الإنساني أو قدرته على ملامسة التجربة.

ولهذا لا تتحدد الميلودراما بدرجة الحزن أو وضوح الشعور، بل بالطريقة التي يُبنى بها هذا الشعور داخل اللغة. فالنص العميق قد يكون بسيطاً ومباشراً، لكنه يظل قادراً على إنتاج رؤية تتجاوز الانفعال الخام، بينما تتعثر الميلودراما حين تتحول العاطفة إلى أثر متوقع يستهلك نفسه بسرعة.

وهكذا تظهر الميلودراما بوصفها فشلاً في تحويل العاطفة إلى شكل.

فالشعر العربي، قديماً وحديثاً، عرف دائماً مناطق عالية الغنائية، وظل العمق قادراً على التشكل داخل أكثر اللحظات انفعالاً.

وتبدأ المشكلة حين تتحول العاطفة من عنصر كاشف داخل التجربة إلى مركز استعراضي داخل النص.

الميلودراما تظهر هنا بأنها طريقة في تنظيم الشعور وتوجيه أثره.

إنها اللحظة التي ينشغل فيها النص بتأثيره العاطفي أكثر من انشغاله ببناء رؤيته. ولهذا تظهر عبر عدة علامات متداخلة: المبالغة الشعورية، المباشرة الوجدانية، تضخم الذات، الإفراط في شرح الألم، والتكرار الرمزي الذي يحول الصور إلى إشارات جاهزة بدل أن تكون اكتشافاً شعرياً.

فالقصيدة الغنائية العميقة تحتفظ داخل اللغة بمساحة للغموض والتوتر والاحتمال. أما الميلودراما فتميل إلى إغلاق المعنى بسرعة، بفعل سعيها إلى تثبيت الأثر العاطفي سريعاً.

ويمكن فهم جزء من هذه الظاهرة عبر ما طرحه رولان بارت حول (الأسطورة) على أنها نظامٌ ثقافي يحول ما هو تاريخي ومُنتَج اجتماعياً إلى شيء يبدو طبيعياً وبديهياً. فالحزن في بعض الكتابات المعاصرة يتحول إلى صورة جاهزة لها علاماتها المتوقعة.. ليل، مطر، وحدة، ذاكرة، وانكسار معلن. وهكذا يتحول الألم من تجربة تُكتشف داخل اللغة إلى نموذج شعوري قابل للتكرار والاستهلاك.

ولهذا تقترب كثير من النصوص من الأداء العاطفي أكثر من اقترابها من الشعر على أنه كشفٌ. وهو ما يقترب من تصور أدونيس للشعر بوصفه إعادة خلق للعالم عبر اللغة، لا مجرد نقل مباشر للانفعال. فالشعر، في هذا المعنى، يُقاس بقدرته على إنتاج رؤية تتجاوز المشاعر الخام.

أما على مستوى التلقي، فيمكن استحضار ما طرحه د. عبدالله الغذامي حول تحولات الذائقة داخل الثقافة الاستهلاكية.. إذ أصبح النص يُستقبل أحياناً كأثر سريع قابل للتداول أكثر من كونه بناءً جمالياً معقداً.

وهكذا تتحول قابلية الاقتباس والانتشار إلى جزء من القيمة نفسها.

ولعل أخطر ما فعلته المنصات الرقمية بالشعر أنها تجاوزت تغيير شكل الكتابة، وأخذت تعيد تشكيل التجربة الشعورية نفسها. فالمشاعر داخل الفضاء الرقمي تُعاش أحياناً ضمن وعي مستمر بإمكان عرضها وتداولها واقتباسها. وهكذا صار الحزن يُصاغ أحياناً بالطريقة التي تجعله قابلاً للظهور والتفاعل.

هنا تتحول الذات تدريجياً من كائن يعيش ألمه إلى كائن يؤديه. فالشاعر المعاصر يكتب داخل فضاء يكافئ التأثر السريع، والجملة القابلة للاقتباس، والانفعال القابل للمشاركة. ولهذا تبدو بعض النصوص الحديثة وكأنها تختبر قابليتها للانتشار بقدر اختبارها لمشاعرها.

وفي هذه اللحظة تحديداً يصبح الحزن جزءاً من اقتصاد الانتباه؛ إذ تتشكل الحساسية الشعرية تحت تأثير منطق رقمي يدفع المشاعر نحو أقصى درجات الوضوح والأثر الفوري. وهي تحولات تقترب من أسئلة معاصرة حول اقتصاد الانتباه وأدائية الذات داخل الفضاء الرقمي. وهكذا تقترب القصيدة في بعض الأحيان من أداء شعوري يعرف مسبقاً كيف ينبغي للألم أن يبدو، وكيف يمكن له أن يُستهلك داخل التدفق اليومي للمنصات.

وصارت الميلودراما تتجاوز حدود المبالغة العاطفية داخل اللغة، لتغدو عرضاً ثقافياً لتحول أعمق: انتقال الذات من معايشة الشعور إلى إنتاج صورته القابلة للتداول.

والمفارقة أن هذا الشكل من الكتابة يجد رواجاً واسعاً داخل المنصات الرقمية؛ لأن الوسيط الرقمي يميل إلى مكافأة أنماط معينة من الحساسية: الجملة السريعة، والانفعال الفوري، والاقتباس القابل للمشاركة.

المشكلة إذاً ترتبط بتحول الحساسية الشعرية تدريجياً نحو ما يمكن تسميته بـ (الشعر الانفعالي السريع): نصوص تُكتب لكي تُستهلك فوراً، لا لكي تُعاد قراءتها. هنا تصبح القصيدة أقرب لاستجابة عاطفية جاهزة منها إلى بناء جمالي معقد.

ولهذا أخذت بعض الكتابات الحديثة تميل إلى ما يشبه (اقتصاد التأثر): جمل قصيرة، صور مألوفة، انفعال مباشر، ونهايات مصممة لكي تُقتبس أو تُشارك بسهولة. والنتيجة تتجاوز مجرد طريقة جديدة في الكتابة، لتصل إلى إعادة تشكيل الذائقة نفسها؛ إذ يصبح القارئ أقل صبراً تجاه القصائد التي تحتاج إلى بطء وتأويل وتوتر داخلي.

لكن الشعر لا يُقاس بكمية الألم التي يحتويها، وإنما بالطريقة التي يعيد بها تشكيل هذا الألم داخل اللغة. فالقصيدة العميقة تترك القارئ يواجه العالم بدرجة مختلفة من القلق والحساسية والوعي.

أما الميلودراما، فتظهر خطورتها في تحويل التجربة إلى أداء جاهز. هنا يغدو الحزن صورة ثقافية قابلة للتكرار، تمتلك مفرداتها ونبرتها وطريقتها المتوقعة في الظهور.

وربما لهذا تبدو بعض القصائد الحديثة متشابهة على نحو لافت: الذات نفسها، والانكسار نفسه، واللغة نفسها، وحتى طريقة الحزن نفسها.

أخطر ما تفعله الميلودراما بالشعر أنها تجعل الذات أكثر قدرة على أداء الحزن من عيشه.