أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
محليات

بحر سنابس أنجب أفضل باحث نخيل خلال قرنين

محمد السيدالإثنين 11 مايو 2026، 8:30 ص
بحر سنابس أنجب أفضل باحث نخيل خلال قرنين

سنابس: ليلى العوامي

في بلدةٍ بحريةٍ صغيرة، اعتاد أهلها النظر إلى البحر أكثر من الواحات، خرج طفلٌ من “سيف سنابس” ليقضي عمره بين النخيل والمختبرات والكتب العلمية، حتى انتهى به الطريق إلى صدارة العالم في أبحاث نخيل التمر.

المفارقة التي تختصر الحكاية؛ أن البلدة المطلة على الخليج، والتي عُرفت تاريخيًا بصيد السمك والبحر والمراكب، أنجبت واحدًا من أبرز علماء النخيل في العالم؛ البروفيسور جميل محمد آل خيري، الذي كشفت دراسة علمية دولية حديثة تصدره عالميًا في مجال أبحاث نخيل التمر خلال مئتي عام من البحث العلمي.

الدراسة التي أجرتها جامعة سونورا الحكومية، وحملت عنوان «قرنان من البحث حول نخيل التمر (Phoenix dactylifera L.): تحليل علمي لاتجاهات البحث الزراعي وإدارة المحاصيل»، تتبعت مسار الأبحاث العلمية الخاصة بالنخيل على مدى قرنين كاملين، من حيث الإنتاج العلمي واتجاهات البحث الزراعي وإدارة المحاصيل.

وشارك في إعداد الدراسة باحثون متخصصون من المغرب والإمارات العربية المتحدة، قبل أن تنشرها المجلة العلمية السويسرية المرموقة Agriculture، لتعلن نتيجتها الأبرز: حصول البروفيسور جميل آل خيري على المركز الأول عالميًا في أبحاث نخيل التمر.

لحظة التتويج

يقول آل خيري لـ “صُبرة” “حين علمتُ بتصدّري المركز الأول عالميًا في أبحاث نخيل التمر، شعرتُ بأن هذا الإنجاز لا يخصني وحدي، بل هو ثمرة دعم وطني كبير للبحث العلمي في المملكة، وامتداد لجهود مؤسسية تقودها جامعة الملك فيصل نحو الريادة العالمية”.

ويضيف “ما تحقق لي يأتي ضمن تفوق وطني أوسع، حيث تتصدر المملكة عالميًا في أبحاث نخيل التمر، وهو إنجاز يعكس دعم القيادة ورؤية المملكة 2030 التي وضعت البحث العلمي في صلب أولوياتها”.

شغف مبكر

لم يكن النخيل بالنسبة إلى آل خيري مجرد شجرة تراثية. منذ بداياته، رأى فيها مشروعًا علميًا واقتصاديًا وإنسانيًا.

يقول “كنت أؤمن أن نخلة التمر كنز علمي واقتصادي يستحق أن يُستثمر بحثيًا، لذلك كرّست مسيرتي لتحويل هذا الرمز إلى محور عالمي للابتكار في مجالات التقنية الحيوية النباتية”.

ومن هذا الشغف، بدأت رحلة امتدت لأكثر من ثلاثة عقود في المختبرات ومراكز الأبحاث، ركّز خلالها على تطوير تقنيات زراعة الأنسجة والتكون الجنيني الجسدي لإنتاج فسائل نخيل عالية الجودة، إلى جانب التحسين الوراثي باستخدام أحدث أدوات التقنية الحيوية.

أرقام كبيرة

خلال هذه الرحلة، نشر آل خيري 62 بحثًا متخصصًا في نخيل التمر، حصدت أكثر من 1500 استشهاد علمي، فيما بلغ إجمالي أبحاثه العلمية 292 بحثًا في مجالات زراعية متعددة.

كما ألّف وحرر أكثر من 50 كتابًا علميًا، ونشر 190 مقالة بحثية و118 فصلًا علميًا، وأسهم في تحرير سلاسل علمية عالمية تناولت التقنية الحيوية النباتية والموارد الوراثية والتربية والجينوم وتقنية النانو وتغير المناخ والأمن الغذائي.

وعلى المستوى العالمي، صُنّف ضمن أفضل 2% من العلماء الأكثر استشهادًا وفق قاعدة بيانات “سكوبس” بين 2022 و2024، قبل أن يحقق في 2026 المرتبة الأولى عالميًا في مجال أبحاث نخيل التمر.

بيئة قاسية

لم تكن أبحاثه بعيدة عن تحديات البيئة الخليجية والصحراوية. فقد ركّز على دراسة تأثير الملوحة والجفاف وارتفاع درجات الحرارة على النخيل، محاولًا تطوير حلول علمية تساعد الشجرة على التكيف مع الظروف القاسية.

وفي هذا السياق، استفاد من الميكروبات النافعة والتقنيات النانوية لتعزيز قدرة النخلة على مقاومة الإجهاد البيئي، إلى جانب تطوير أدوات علمية لمكافحة سوسة النخيل الحمراء، التي تُعد من أخطر الآفات الزراعية في المنطقة.

ويقول “حماية النخلة تعني حماية جزء مهم من الأمن الغذائي”.

غذاء المستقبل

امتدت اهتمامات آل خيري إلى دراسة القيمة الغذائية للتمور، وما تحتويه من مركبات مفيدة ومضادات أكسدة، في إطار تعزيز مكانة التمور كغذاء صحي عالمي.

ويؤمن أن الأمن الغذائي سيكون أحد أكبر تحديات المستقبل، ولذلك يواصل العمل على تطوير حلول علمية مستدامة تدعم إنتاج التمور في البيئات الصحراوية، وتعزز قدرة هذا القطاع على النمو.

مسيرة أكاديمية

ينتمي البروفيسور آل خيري إلى قسم التقنية الحيوية الزراعية في جامعة الملك فيصل.

حصل على البكالوريوس في علم الأحياء عام 1984 من جامعة توليدو، ثم نال الماجستير في الهندسة الزراعية عام 1988، والدكتوراه في علوم النبات عام 1991 من جامعة أركنساس.

كما يشغل عضوية فاعلة في الجمعية الدولية لعلوم البستنة، ويعمل مراسلًا وطنيًا للجمعية الدولية لزراعة الأنسجة النباتية والتقنية الحيوية.

ويتولى تحرير ثلاث سلاسل كتب علمية تصدرها Springer، تتناول استراتيجيات تربية النباتات وتقنية النانو وتحرير الجينوم من أجل الزراعة المستدامة.

من المختبر إلى الشورى

إلى جانب نشاطه الأكاديمي، تولّى آل خيري مسؤوليات إدارية عديدة، بينها مساعد مدير مركز أبحاث النخيل، ورئيس قسم التكنولوجيا الحيوية النباتية، ونائب عميد للتطوير وضمان الجودة.

كما تشرف بعضوية مجلس الشورى السعودي، في تجربة جمعت بين المعرفة العلمية والعمل الوطني والمؤسسي.

رسالة أخيرة

ورغم كل هذا السجل، لا يتحدث الرجل بلغة النهاية.

يقول “هذا التتويج ليس نهاية الطريق، بل بداية مرحلة جديدة. الوصول إلى القمة مسؤولية كبيرة، والأهم هو الاستمرار في العطاء بما يحقق الفائدة للوطن والمجتمع العلمي”.

ثم يوجه رسالته إلى الطلاب والباحثين الشباب “لا تترددوا في دخول مجال التقنية الحيوية الزراعية، فهو مجال واعد، والفرص فيه كبيرة. الابتكار يبدأ من الفضول، ومن الجرأة على طرح الأسئلة”.

وهكذا، بين بحر سنابس ونخيل الأحساء، تشكّلت رحلة عالمٍ سعودي حمل شغف النخلة إلى العالم، فعاد منها بلقبٍ يقول إن أفضل باحث نخيل خلال قرنين… خرج من سيفٍ صغير على الخليج.

بلدات:سنابس