الثلاثاء 13 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

حين تأكل الشاشات أرواح الكتب

صُبرةالإثنين 11 مايو 2026، 9:18 ص
حين تأكل الشاشات أرواح الكتب

نزار المصطفى

في الزمنِ الذي كانت فيه الكلمةُ تُقطَفُ كما تُقطَفُ الثمارُ النادرةُ من بساتينِ الحكمة، كان القارئُ يدخلُ إلى الكتابِ كما يدخلُ الناسكُ إلى محرابه؛ يغلقُ أبوابَ الضجيج، ويجلسُ قبالةَ المعنى جلسةَ المتأملِ أمامَ بحرٍ لا يُرى قرارُه.

كانت القراءةُ رحلةَ صعودٍ في مدارجِ الروح، ومغامرةَ عقلٍ يتدرّبُ على الصبر، ويُهذّبُ ذائقتهُ كما يُهذّبُ العارفُ قلبَهُ بالمجاهدة.

ثم جاءت هذه الشاشاتُ الصغيرةُ، لا تحملُ إلينا العالمَ فحسب، بل تحملُ إلينا — في الخفاء — طريقةً جديدةً في النظر، والإحساس، والتفكير، والقراءة.

فلم تعدِ الكلمةُ تُعاش؛ بل تُستهلك.

ولم يعدِ المعنى يُرتَشفُ على مهل؛ بل يُبتلعُ ابتلاعًا سريعًا كما تُبتلعُ الوجباتُ الباردةُ في محطاتِ السفر.

لقد تحوّلتِ اللغةُ في كثيرٍ من فضاءاتِ التواصلِ إلى كائنٍ مُنهَك، يلهثُ خلفَ السرعةِ حتى فقدَ أناقته، وخلفَ الاختصارِ حتى فقدَ عمقَه، وخلفَ الإثارةِ حتى فقدَ وقارَه.

وصارتِ البلاغةُ عند كثيرين ليست جمالَ الفكرة، بل سرعةَ وصولها، وليس سحرَ التعبير، بل قابليتَهُ للانتشار.

فالكلمةُ التي كانت تُصاغُ بمطرقةِ الفكر، أصبحت تُلقى كحفنةِ حصى في طرقاتِ العابرين.

والجملةُ التي كانت تحملُ رائحةَ التأملِ وعرقَ التجربة، أضحت تُقصَفُ قصْفًا في سباقِ الإعجابات، حتى غدتِ اللغةُ — في بعضِ صورها — أشبهَ بإشاراتِ المرور: تؤدي الغرضَ ولا تُوقظُ الروح.

وهكذا تراجعَ القارئُ العميق، ذلك الذي كان يصبرُ على الفكرةِ حتى تتفتحَ كزهرةٍ في داخله، وحلَّ محلَّهُ متصفّحٌ عجول، يقفزُ من صورةٍ إلى أخرى، ومن مقطعٍ إلى آخر، ومن انفعالٍ إلى انفعال، حتى أصابَ العقلَ ما يشبهُ التبعثرَ الداخلي.

فلم يعد الإنسانُ يُقيمُ داخلَ فكرةٍ واحدةٍ طويلًا، لأن الوسائطَ الحديثةَ درّبتهُ على القفزِ لا على الإقامة، وعلى اللمحِ لا على التأمل، وعلى الاستهلاكِ لا على المعايشة.

إن أخطرَ ما فعلتْهُ وسائلُ التواصلِ ليس أنها سرقتْ وقتَ القراءةِ فحسب، بل أنها غيّرتْ طبيعةَ التلقي ذاتها.

لقد أعادتْ تشكيلَ الذهنِ الإنسانيِّ على إيقاعِ السرعةِ واللهاثِ والتشتت.

فالكتابُ يحتاجُ إلى قارئٍ يصبر، بينما المنصاتُ تُكافئُ القفزَ السريع.

والأدبُ يحتاجُ إلى روحٍ تُنصت، بينما الخوارزمياتُ تُكافئُ الضجيج.

واللغةُ الرفيعةُ تحتاجُ إلى ذائقةٍ تتربى على الجمال، بينما المحتوى العابرُ يربّي الذوقَ على الصدمةِ والاختزالِ والإثارة.

ولأن الإنسانَ ابنُ ما يكرره، فقد نشأ جيلٌ يقرأُ بعينيه أكثرَ مما يقرأُ بعقله، ويستهلكُ الكلماتِ كما يستهلكُ الصور، حتى ضعفتْ قدرتُهُ على الصبرِ الذهني، وخبا شغفُهُ بالنصوصِ الطويلة، وصار كثيرٌ من الناسِ يخشون الكتابَ كما يخشى المتعبُ طريقًا جبليًا طويلًا.

وأيُّ خسارةٍ أعظمُ من أمةٍ تتراجعُ فيها القدرةُ على التأمل؟

فالأممُ لا تسقطُ حين تفقدُ المال، بل حين تفقدُ عُمقَها الداخلي، وحين تصبحُ أفكارُها قصيرةَ الأنفاس، سريعةَ الاشتعال، سريعةَ الانطفاء.

ومع ذلك، فليس العيبُ في الوسائلِ ذاتها؛ فالسكينُ قد يقطعُ الخبزَ وقد يقطعُ الأعناق.

إنما العيبُ في تحوّلِ الإنسانِ من سيّدٍ للتقنيةِ إلى تابعٍ لها، ومن مستخدمٍ للأدواتِ إلى مادةٍ خامٍ في مصانعِ الانتباه.

لقد دخلَ الناسُ إلى المنصاتِ ليملأوا أوقاتَهم، فإذا بالمنصاتِ تملأُ عقولَهم بضجيجٍ لا ينتهي.

وأرادوا أن يختصروا المسافات، فإذا بها تختصرُ أعمارَ التأملِ فيهم.

أما العلاجُ، فلا يكونُ بإعلانِ الحربِ على العصر، ولا بالهروبِ من التكنولوجيا، فذلك وهمُ العاجزين؛ وإنما يكونُ بإعادةِ الاعتبارِ للقراءةِ بوصفها فعلَ بناءٍ للإنسان، لا هوايةً هامشية.

علينا أن نعيدَ إلى الكتابِ هيبتَه، وإلى اللغةِ جلالَها، وإلى التأملِ مكانتَهُ في حياةِ الناس.

علينا أن نُربّي أبناءَنا على الصبرِ الذهني كما نُربّيهم على المشي، وأن نعلّمهم أن القراءةَ ليست جمعَ معلومات، بل صناعةُ روح.

يجبُ أن يعودَ البيتُ العربيُّ إلى طقوسِ الكتاب؛ أن يرى الطفلُ أباهُ يقرأ، لا يمررُ إصبعَهُ على الشاشةِ بلا نهاية.

وأن تعودَ المدارسُ إلى تعليمِ التذوقِ لا الحفظ، وإلى غرسِ الحبِّ للنصوصِ العظيمة، لا تحويلِ الأدبِ إلى أسئلةِ امتحان.

وأن يدركَ المثقفُ أن مقاومةَ السطحيةِ ليست ترفًا، بل معركةُ حضارة.

إن الأمةَ التي تهجرُ القراءةَ العميقة، تُسلّمُ عقلَها للتيار، وتتحولُ من أمةٍ تُنتجُ الأفكارَ إلى أمةٍ تستهلكُ الانفعالات.

وحين تموتُ العلاقةُ الحقيقيةُ بين الإنسانِ والكتاب، تموتُ بالتدريجِ قدرتُهُ على الإصغاءِ إلى نفسه، لأن الكتبَ العظيمةَ ليست أوراقًا؛ إنها مرايا الروح.

وسيأتي يومٌ — إن لم نتدارك الأمر — يصبحُ فيه الإنسانُ محاطًا بكلِّ وسائلِ الاتصال، لكنه عاجزٌ عن التواصلِ مع أعماقه.

يملكُ آلافَ الأصدقاء، لكنه يفتقدُ الحوارَ مع فكرةٍ واحدة.

ويحفظُ آلافَ المقاطع، لكنه يعجزُ عن إتمامِ قراءةِ صفحةٍ تهزُّ كيانه.

فيا أيها الإنسانُ المعاصر، لا تجعلْ روحَكَ رهينةَ الإصبعِ التي تمرّرُ الشاشة.

اجلسْ أحيانًا مع كتابٍ كما يجلسُ العاشقُ مع رسائلِ حبيبته؛ ببطءٍ، وحنين، وإصغاء.

فالعقولُ الكبيرةُ لا تُبنى بالومضات، والذائقةُ الرفيعةُ لا تنمو في الضجيج، والأممُ الخالدةُ لا يصنعُها المحتوى السريع، بل يصنعُها أولئك الذين يملكونَ شجاعةَ التأملِ في عصرِ العجلة.