أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أخبارهم

‏”كبسّوا كبسّوا”.. استجداء خلف الشاشات وهدرٌ للقيم

محمد السيدالأربعاء 13 مايو 2026، 2:32 م
‏”كبسّوا كبسّوا”.. استجداء خلف الشاشات وهدرٌ للقيم

نوف المضحي

‏قديماً، كان صدى جملة «لله يا محسنين» يتردد في الطرقات لكسب عطف المارة؛ أما اليوم، فقد استُبدلت الأرصفة بالشاشات، وتحولت الاستغاثة إلى صراخِ: «كبسّوا.. كبسّوا»! في مشهدٍ نرى فيه هباتٍ خيالية من “داعمين” يغذون ظاهرة التسول الإلكتروني بضغطة زر، وكأننا أمام نسخة رقمية مشوهة من كرمٍ وُضع في غير موضعه.

وهنا تبرز المفارقة المؤلمة؛ فبينما يصارع مريضٌ الألم في صمت، وتكافح أسرةٌ لتأمين قوت يومها تحت سقف متهالك، نجد الأموال تتدفق كالأنهار في قنوات “البث المباشر” على تفاهات لا تسمن ولا تغني من جوع. إن الصمت الذي يحيط بمريض السرطان أو العائلة المتعففة يقابله “ضجيج” التحديات الجوفاء؛ ففي العمل الخيري يُحسب الريال والريالان، وفي “ساحات الكبس” تُبذل الآلاف لمجرد رؤية “أسد” أو “برج” افتراضي يلمع لثوانٍ على الشاشة!

لماذا يدفع الناس مبالغ خيالية لشخص مجهول خلف الشاشة؟ إنها سيكولوجية البحث عن “الأهمية”؛ حيث يشتري الداعم بحفنة ريالات شعوراً زائفاً بالسيطرة، أو حب الظهور حين يُنادى باسمه في “بث” يتابعه الآلاف، أو ربما هو مجرد انقيادٍ لمجتمع وهمي يتلاعب بالعواطف ويجمل القُبح تحت مسمى “الدعم”.

إنّ المسألة تتجاوز كونها مجرد توزيع أموال؛ إنها أزمة أولويات وانحدار في بوصلة القيم. فبينما كنا ننتظر من التقنية أن تقرّب المسافات بين القلوب وتسهّل وصول الحق لأصحابه، جعلها البعض منصةً لصناعة “نجوم من ورق” يقتاتون على هوس الظهور.

إنّ مريضاً ينتظر جرعة علاج، أو طالباً يطمح لمقعد دراسة، هم أولى بذاك السخاء الذي يُهدر في ساحات العبث. لقد حان الوقت لنعي أن الكرم الحقيقي هو الذي يبني حياة، لا الذي يغذي وهمًا. فقبل أن تُهدي “أسداً” افتراضياً لمن لا يستحق، تذكر أن هناك إنساناً حقيقياً، في زاوية منسية من هذا العالم، ينتظر منك “حياة”.