أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

القلق الثقافي في مرثية العبادي للراحل السريحي

محمد السيدالأحد 17 مايو 2026، 3:50 م
القلق الثقافي في مرثية العبادي للراحل السريحي

محمد المخرق

قصيدة شفيق العبادي في رثاء الدكتور سعيد السريحي تتجاوز شكل المرثية التقليدية التي تستعيد الراحل عبر الحنين أو تعداد المناقب.

لتضع يدها على أثرٍ ثقافي ظل يتحرك داخل اللغة والأسئلة، ولهذا تواجه القصيدة منذ بدايتها سؤالاً معقداً.

كيف يمكن رثاء شخصية اشتغلت طويلا على زعزعة اليقين وتوسيع أفق القراءة ومساءلة المعنى نفسه؟

منذ العنوان (نافذةٌ لرياحٍ أخرى) يضعنا النص أمام استعارة مركزية ذات دلالة عميقة، فالنافذة هنا تتجاوز كونها عنصرا مكانيا عابرا لتغدو طريقة مخصوصة في النظر الى العالم.

وكان بإمكان القصيدة أن تختار (بابا) مثلا، غير أن الباب يرتبط عادة بالحسم والعبور المباشر، بينما ترتبط النافذة بالرؤية والإنصات وفتح الاحتمالات.

فالباب يغير الموقع، أما النافذة فتغير زاوية النظر.

كما أن اختيار (الرياح) يمنح العنوان بعده الرمزي.. فالريح كائن متحول لا يستقر في جهة واحدة ويأتي دائما من احتمالات متعددة.. ولهذا تبدو أقرب الى طبيعة الأفكار النقدية الحية التي تزعزع الثبات وتدفع المعنى نحو مزيد من الحركة والانفتاح.

ومن هنا تبدو الاستعارة منسجمة مع شخصية سعيد السريحي النقدية التي لم تكن تنشغل بالوصول الى يقين نهائي بقدر ما كانت تفتح الأسئلة على احتمالات جديدة للقراءة..

غير أن القصيدة لا تكتفي ببناء حضور السريحي عبر الرموز، فالحركة تسري في نسيج النص منذ بدايته..

فالسريحي لا يظهر غيابا ساكنا، ويظل أثره متحركا داخل اللغة والذاكرة:

– (يمشي على ظلّي فيجرحه سكوني)

– (يمشي كأحلام الدروب)

– (يمشي على أطراف أسئلتي)

هذا التكرار الحركي يتجاوز حدود الإيقاع اللغوي ليشكل بناءً دلاليا كاملا.. فالشخصية هنا لا تغيب بصورة نهائية، هي تستمر حضورا مؤجلا يمر على حواف الأسئلة والذاكرة من دون أن ينطفئ تماما.

ولهذا يبدو فعل (المشي) في القصيدة أقرب الى استمرار الأثر الثقافي بعد غياب الجسد.

وتبلغ القصيدة إحدى أكثر لحظاتها كثافة في قوله (يمشي على أطراف أسئلتي لكيلا يوقظ المعنى)

فهنا يقترب النص بعمق من روح السريحي النقدية، فهو لا يحضر باعتباره صاحب أجوبة نهائية، فدوره الأعمق يتمثل في تحريك السؤال وتأجيل اكتمال المعنى، وكأن القصيدة تدرك أن القيمة الحقيقية لبعض العقول النقدية تكمن في إبقاء الأسئلة حيّة وقادرة على خلخلة القراءة المستقرة أكثر من انشغالها بإنتاج اليقين.

والقصيدة هنا لا تتحرك بوصفها نصا واحدا مغلق البنية، فهي تتشكل من ثلاثة مقاطع تتجاور داخل أفق شعوري واحد، يبدأ أولها بـ(يمشي على ظلّي)، ثم ينفتح النص على المقطع النثري (انتظرنا)، قبل أن يعود في جزئه الأخير (العراف) الى الإيقاع التفعيلي من جديد.

غير أن هذا التنوع الشكلي لا يؤدي الى تفكك التجربة، إذ تظل المقاطع الثلاثة مشدودة الى قلق داخلي واحد، والى إحساس متصل بالفقد والأسئلة المؤجلة، وكأن القصيدة تغير أدواتها الإيقاعية كلما احتاج الحزن الى نبرة أخرى أو طريقة مختلفة في الظهور داخل اللغة.

ولهذا لا يعتمد العبادي على الرثاء الانفعالي المباشر، ولا يستدعي القاموس التقليدي للفقد، فالقصيدة تنساب نحو نبرة هادئة متأملة يتردد فيها الحزن عبر الصور والإيقاع أكثر من تحوله الى صراخ لغوي..

ومع ذلك فالقصيدة ليست مقتصدة مجازيا كما قد يبدو لأول وهلة، فهي تميل أحيانا الى كثافة رمزية واحتفالية واضحة خصوصا في المقطع الثالث:

(وطُفتَ بكعبةِ أحلامِنا كالمنامات سبعًا وسبعًا)

فهذه اللغة المشبعة بالرموز والطقوس والاستعارات الصوفية تكشف أن النص لا يقتصد في الصورة بقدر ما يقتصد في الانفعال المباشر.. ولذلك تحافظ القصيدة على توازنها بتجنبها الميلودراما العاطفية من دون أن تتخلى عن ثرائها الشعري..

ومن أجمل ما في النص أن الرثاء يحدث أحيانا داخل اللغة نفسها..

فالعبادي لم يتوقف عند رثاء السريحي باعتباره شخصية ثقافية عامة، فهو يسترجع علاقته العميقة بالنص والكتابة والاشتغال على المفردة:

(عندما كنتَ تلاحقُ مفردةً توهَّمتَ أنّها فرّتْ من حظيرةِ نصّ)

هنا يتحول فعل الكتابة ذاته الى مشهد درامي.. المفردة كائن يهرب، والنص فضاء تتحرك داخله الكلمات على نحو مراوغ وقلق، وكأن القصيدة ترثي أيضا تلك العلاقة النادرة مع اللغة.

علاقة الناقد الذي ظل يطارد المعنى داخل النصوص ويعيد اختبار الكلمات والعبارات بوصفها احتمالات مفتوحة وليست حقائق مستقرة…

كما أن القصيدة تنجح في إبراز هشاشة الكاتب الإنسانية بعيدا عن الصورة التمجيدية الجامدة.. ففي قوله (وعندما خانتْكَ الجُرأةُ لأوَّلِ مرَّة)

يتحول السريحي من رمز ثقافي كبير الى ذات تواجه ارتباكها الإنساني أمام الكتابة والعمر والأسئلة.

وهذه من أكثر مناطق القصيدة صدقا لأنها تُبقي الراحل بعيدا عن صورة التمثال الثقافي المكتمل، وتتركه حاضرا كعقل يواصل صراعه مع اللغة والمعنى حتى اللحظة الأخيرة.

ومن هنا تتجاوز القصيدة مستوى الفقد الشخصي الى ما يمكن تسميته بـ(الرثاء الثقافي).

فالسريحي لا يظهر باعتباره صديقا غاب فحسب، فهو عقل نقدي كان يؤدي وظيفة حيوية داخل الثقافة السعودية والعربية.

وبعض الشخصيات الثقافية تترك بعد رحيلها فراغا يتجاوز حضورها الفردي، لأن أثرها يمتد الى ما هو أبعد من الكتب ليصل الى قدرتها على تحريك الأسئلة وإرباك أنماط القراءة المستقرة.

ولهذا تبدو القصيدة في عمقها كتابة عن غياب وظيفة ثقافية كاملة، فالحزن يتجاوز الماضي ليمتد نحو الحاضر أيضاً، نحو المشهد الثقافي بعد غياب الأصوات القادرة على مساءلة اليقين وتحريك المياه الراكدة داخل الفكر والقراءة.

ولعل ما يمنح النص أثره الأعمق أنه لا يقدم معنى مغلقا أو صورة نهائية عن الراحل.

فالقصيدة تبقي النافذة مواربة وتترك الرياح تتحرك داخلها باستمرار، كأنها لا تودع سعيد السريحي بقدر ما تتركه يواصل المشي على أطراف الأسئلة.

رحم الله الدكتور سعيد السريحي، وجزيل الشكر للشاعر شفيق العبادي على هذه التلويحة التي كتبت الغياب بوفاء يليق بالأثر.

نافذةٌ لرياحٍ أخرى.. التلويحة الأخيرة للدكتور سعيد السريحي

شفيق العبادي

1 –

يمشي على ظلِّي فيجْرحُه سُكوني

يمشي كأحلامِ الدُروب لخُطْوةٍ عَبرتْ بِها يوماً

وما زال الصدَى يحْدُوا بِقافلةِ الحَنينِ

يمْشي وألفُ قَبيلةٍ للشعْرِ

تَرْوي ما تَهامسَ منْ ظِلالِ سناهُ فوقَ نَوافذِ الأيَّامِ

لا شمسٌ تُشيِّعُه ولا قمرٌ تُنادمُه سِنيني

يمشي كَذاكرةِ الرِمال لِغيْمةٍ كانت هنا يوماً

فأفلتَها كَميني

يمشي على أطرافِ أسْئِلتي

لكيلا يُوقظَ المعنى الذي ينْتابُني حُلماً

فيُمعِنُ في اليقينِ

2 –

انتظرنا

انتظرْنا طويلاً ونحنُ نطرقُ الصدى

علَّنا نحْظى بنَبرةٍ تُفْضي بنا لمعارجِ الصوتْ

انْتظَرنا وأنت تُدوزنُ أوتارَ حُنجرتِكَ

ماسحاً ما علقَ بها من خِيانةِ العصافيرِ التي

غادرتْ أغصانَها فجأةً

عندما كنتَ مُنهمكاً بِتشْذيبِها

لِيصْدفَ أنَّ خزانَ ذَخيرتِها لم يكنْ فارغاً تماماً

فتطيش منه طلقةُ غَضبٍ محْشورةٍ لم تَندملْ بعد

لأحدِ النُصوصِ السَابقةِ مُستقِرَّةً في غيرِ مكانِها

عندما كنتَ تلاحقُ مفردةً توهَّمتَ أنًّها فرَّتْ من حَظيرةِ نصٍّ

كنتَ تشْتغلُ عليه وقتَها دون علمِك

لتكْتشفَ لاحقاً أنَّها على تَردُّدٍ مُغاير

وعندما خانتْكَ الجُرأةُ لأوَّلِ مرَّةٍ

على مسحِ الأوراقِ بأَكْمامِ الحروفِ كعادتكَ

كلَّما تَصبَّبتْ القصيدةُ شِعراً

3 –

العَرَّاف

سرى الليلُ فاسْرِ بنا قَمراً مُستعارا

كما كنتَ بالأمس تروي لنا من كتاب المسافات

ما يستحثُّ الطريقَ بنا حين كنا صغارا

وخذنا إلى شرفة الصبح يا سادنَ البرق

حتى تُضيءَ بنا الدربَ كي لا نُضيعَ النهارا

وتغسلُ ما نقش الوهمُ فوق حوائطِ أسمائنا بالورود

وتتركُنا في مهبِّ الدروب حيارى

لتسرقَنا منك حلوى القصائدِ نحو البعيد الذي لا يُجارى

لتَترُكَنا فوق قارعةِ الحرفِ نصفٌ ملائكةٌ في البياض

ونصفٌ بطعمِ الرماد سُكارى

مشينا لها في قطيعٍ من الغيم

حتى إذا ما تراءَى لنا مطرٌ في الجوارِ

وكُنَّا على أُهْبةِ الفجرِ ما كان غيرُك أجْرأُ

حين أَزحْتَ السِتارا

وطُفْتَ بكعبةِ أحْلامِنا كالمنامات سَبْعاً وسبعاً

ولكنَّنا ما استَطعْنا كما أنتَ نرمي الجِمارا