أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

جاسم الصحيح.. حين يكون الشعرُ قدراً

محمد السيدالإثنين 18 مايو 2026، 9:49 ص
جاسم الصحيح.. حين يكون الشعرُ قدراً

نزار المصطفى

حين نتحدّث عن الشاعر جاسم الصحيح فإننا لا نتحدّث عن شاعرٍ يُجيد نظم القصيدة فحسب، بل عن ظاهرةٍ شعريّة نادرة، وعن تجربةٍ إبداعيّة استطاعت أن تُعيد الاعتبار إلى الشعر بوصفه كشفًا داخليًا، لا مجرد صناعة لغوية، وأن تُرجع للكلمة العربية شيئًا من هيبتها القديمة حين كانت القصيدة موقفًا، ورؤيا، ومصيرًا.

ثمّة شعراء يكتبون القصيدة، وثمّة شعراء تسكنهم القصيدة حتى تصبح جزءًا من تكوينهم الوجودي، وجاسم الصحيح من الصنف الثاني؛ فهو لا يبدو شاعرًا يذهب إلى اللغة، بل لغةٌ تمشي إليه، ولا يظهر كمن يصطاد الصورة، بل كأن الصور الكامنة في الوجدان العربي تتكثّف فيه ثم تخرج عبره أكثر صفاءً واحتراقًا.

لقد قرأت لهذا الشاعر طويلًا، وتأملت نصوصه كما يتأمل المرء تضاريس جبلٍ قديم، وكلما اقتربت منه اكتشفت أن ما يبدو واضحًا في ظاهره يخفي طبقاتٍ من الدهشة والمعنى والانفعال والرؤيا. وهذه إحدى علامات الشعر العظيم؛ أن يمنح قارئه في كل قراءة وجهًا جديدًا، وأن يظل مفتوحًا على التأويل دون أن يفقد حرارة الإحساس أو صدق التجربة.

ما يدهشني في تجربة جاسم الصحيح أنه شاعرٌ يمتلك ذلك التوازن النادر بين الثقافة والإلهام؛ فلا الثقافة عنده تُحوّل القصيدة إلى تمرينٍ ذهني بارد، ولا العاطفة تُسقطها في المباشرة والانفعال الساذج. إنك أمام شاعر يعرف التراث العربي معرفة العارف بأسراره، ويعرف الحداثة معرفة المجرّب الواعي، ثم يخرج من الاثنين بصوته الخاص، بصوتٍ لا يشبه إلا نفسه.

إن كثيرًا من الشعراء يملكون اللغة، لكن القليل يملكون القدرة على “توليد اللغة”، أي على جعل المفردة القديمة تولد من جديد داخل السياق الشعري وكأنها قيلت لأول مرة. وهذه من أبرز خصائص جاسم الصحيح؛ فهو لا يستخدم الكلمات، بل يعيد خلقها. الكلمة عنده ليست أداةً للمعنى فقط، بل كائنًا حيًا نابضًا بالإيقاع والظل والرائحة والذاكرة.

وحين أقرأ قصائده أشعر أنني لا أقرأ نصًا مكتوبًا، بل أستمع إلى حركة الروح وهي تعبر بين طبقات الألم والجمال والحنين والأسئلة الكبرى. إنه شاعر يمتلك حساسية مفرطة تجاه الوجود؛ يرى ما لا يراه الآخرون، ويلتقط التفاصيل الهاربة من أعين الناس، ثم يحولها إلى طاقة شعرية آسرة.

ولعل من أعظم ما يميّزه أنه شاعر لا يكتب من خارج التجربة. لا يتصنّع الألم، ولا يستعير الانفعال، ولا يلبس الأقنعة البلاغية الفارغة. إنه يكتب من الداخل، من جرحه الحقيقي، ومن دهشته الحقيقية، ومن خوفه الحقيقي، ولذلك تصل قصيدته إلى القارئ دون استئذان. فالكلمات التي خرجت من القلب الصادق لا تحتاج إلى ضجيج كي تُقنع.

لقد استطاع جاسم الصحيح أن يحقق معادلة شديدة الصعوبة: أن يكون شاعرًا نخبويًا وعميقًا دون أن يفقد حرارة التأثير الإنساني. فقصيدته تُرضي الناقد المتخصص بما فيها من بناء جمالي ورمزي وإيقاعي، وفي الوقت نفسه تمسّ القارئ العادي لأنها صادرة من إنسان يعرف معنى الحب والفقد والانكسار والرجاء.

ومن يتأمل مشروعه الشعري يدرك أن الرجل لم يكن شاعر مناسبة أو شاعر لحظة عابرة، بل صاحب مشروع جمالي وروحي متكامل. إنه يكتب القصيدة بوصفها رحلة بحث عن المعنى، وعن الإنسان، وعن الخلاص الممكن وسط هذا الخراب الكبير. ولذلك نجد في نصوصه ذلك التوتر الجميل بين الأمل واليأس، بين الضوء والعتمة، بين الحضور والغياب.

أما لغته، فهي من أجمل ما أنجبت القصيدة العربية الحديثة؛ لغةٌ عالية دون تكلّف، شفافة دون هشاشة، كثيفة دون غموض متعسف. وحين يتعامل مع الصورة الشعرية فإنه لا يبنيها للزينة البلاغية، بل يجعلها ضرورة شعورية وفكرية. الصورة عنده ليست زخرفة، بل طريقة في الرؤية.

ولأن الشعر الحقيقي لا يُقاس بعدد القصائد ولا بضجيج المنابر، فإن قيمة جاسم الصحيح تتجلّى في أثره العميق داخل الوعي الشعري العربي. لقد أعاد إلى القصيدة شيئًا من وقارها، ومنح اللغة العربية لحظات من الصفاء النادر في زمنٍ تتكاثر فيه الكتابة ويقلّ فيه الشعر.

إنني حين أصف جاسم الصحيح بأنه “شاعر حقيقي بامتياز” فإنني لا أطلق مجاملة عابرة، بل أقول ذلك بعد قراءة وتأمل ومقارنة طويلة. فالشاعر الحقيقي ليس من يكتب أبياتًا جميلة فقط، بل من يجعلنا نرى أنفسنا والعالم بطريقة مختلفة، ومن يمنح اللغة قدرةً جديدة على التعبير عن الإنسان.

وجاسم الصحيح يفعل ذلك بجدارة نادرة.

إنه شاعر حين يكتب تشعر أن القصيدة أكبر من الورق، وأن اللغة أكبر من المعجم، وأن الإنسان أكبر من هزائمه.

ولهذا أراه أحد الأصوات الشعرية العربية الأصيلة التي ستبقى، لا لأن الزمن أنصفها، بل لأن القصيدة نفسها اختارتها.

وفي زمنٍ صار فيه الادعاء أسهل من الإبداع، والظهور أعلى صوتًا من القيمة، يقف جاسم الصحيح شاهدًا على أن الشعر الحقيقي ما زال ممكنًا، وأن القصيدة العربية ما زالت قادرة على إنجاب شعراء كبار، حين يتوفر الصدق، والرؤيا، والموهبة، والاحتراق الداخلي.

ذلك هو جاسم الصحيح كما أراه:

ليس شاعرًا يكتب القصيدة فقط…

بل قصيدةً تمشي على قدمين.