صناديقُ الصحف.. حين مات الخبر على البابِ

القطيف: معصومة المقرقش
في أحياءٍ قديمةٍ، وعلى جدرانِ منازلَ عبرتْ فوقها سنواتٌ طويلةٌ، ما تزالُ صناديقُ الصحفِ معلّقةً بصمتٍ يشبهُ بقايا الحكاياتِ. صناديقُ صغيرةٌ من المعدنِ علاها الصدأُ، وتآكلتْ أطرافُها، وبعضُها بقيَ نصفَ مفتوحٍ كأنه ما يزالُ ينتظرُ صحيفةً لن تصلَ.

طقوسُ الصباحِ
كانتْ هذه الصناديقُ يوماً جزءاً من تفاصيلِ الصباحِ الأولى. وقبلَ أن تستيقظَ الهواتفُ وتختصرَ العالمَ في إشعارٍ سريعٍ، كان الخبرُ يصلُ ورقياً إلى أبوابِ البيوتِ.
في الفجرِ، يمرُّ موزّعُ الصحفِ بين الأزقةِ، يتركُ الصحيفةَ داخلَ الصندوقِ ثم يرحلُ، فيما يبقى صوتُ ارتطامِ الورقِ بالمعدنِ علامةً يوميةً يعرفُها أصحابُ المنازلِ جيداً؛ علامةً تقولُ إنَّ العالمَ بدأَ يومَهُ من هنا.
وفي بيوتٍ كثيرةٍ، لم تكنِ الصحيفةُ مجردَ قراءةٍ عابرةٍ، بل عادةً يوميةً تشبهُ رشفةَ القهوةِ الأولى؛ أبٌ يفتحُ البابَ قبلَ الجميعِ ليلتقطَ نسختَهُ، وابنٌ يسبقُ إخوتَهُ لمعرفةِ نتائجِ المبارياتِ، وبيتٌ ينتظرُ افتتاحيةَ الصحيفةِ السياسيةَ كما ينتظرُ أخبارَ أقاربِهِ.

مرايا الهويةِ
حتى الصندوقُ نفسُهُ كان يكشفُ شيئاً من شخصيةِ أصحابِهِ؛ فصندوقُ “الشرقِ الأوسطِ” كان غالباً يعلو بيوتاً تتابعُ السياسةَ والعالمَ، فيما حضرتِ “الحياةُ” لدى القرّاءِ الأكثرِ ميلاً للمقالاتِ والثقافةِ، وبقيتِ “اليومُ” الأقربَ إلى تفاصيلِ المنطقةِ الشرقيةِ، قبلَ أن تدخلَ “الشرقُ” منافساً جديداً إلى المشهدِ.
أما عشاقُ الرياضةِ، فكان انتظارُهم مختلفاً مع الصحفِ الرياضيةِ التي تصلُ محمَّلةً بنتائجِ الأمسِ وصخبِ الملاعبِ.

حكاياتٌ حبيسةٌ
وخلالَ تتبعِ هذه الصناديقِ، بدتِ الحكاياتُ أبلغَ من الأخبارِ نفسِها. ففي أحدِ البيوتِ القديمةِ، بقيَ صندوقُ صحيفةِ “الحياةِ” ثابتاً على جدارِهِ، رغمَ أنَّ الجدارَ نفسَهُ تغيّرَ وتشققتْ أطرافُهُ، ليبدو كأنه آخرُ ما بقيَ من زمنِ القراءةِ الصباحيةِ.

وفي منزلٍ آخرَ، كشفَ صندوقٌ أزرقُ لصحيفةِ “اليومِ” عن أعدادٍ قديمةٍ ما تزالُ حبيسةً داخلَهُ منذُ سنواتٍ، بعدما ضاعَ المفتاحُ وبقيتِ الصحفُ سجينةَ المعدنِ والغبارِ.
تحوّلٌ
لكنَّ الزمنَ غيّرَ وظيفةَ هذه الصناديقِ؛ فبعضُها لم يعدْ يحتفظُ بصحفٍ، بل بمساميرَ ومفكاتٍ وأدواتٍ منزليةٍ صغيرةٍ، وبعضُها الآخرُ فقدَ بابَهُ، وبعضُها محا الصدأُ أسماءَ الصحفِ المطبوعةِ عليهِ، فيما بقيتْ هياكلُها معلّقةً على الجدرانِ كأثرٍ يصعبُ اقتلاعُهُ من ذاكرةِ المكانِ.

اليومَ، لم يعدِ الخبرُ ينتظرُ موزّعاً يمرُّ قبلَ الشروقِ، ولا قارئاً يفتحُ صندوقَهُ على عجلٍ؛ فالأخبارُ تصلُ إلى الشاشاتِ فورَ وقوعِها، وتعبرُ الهواتفَ في ثوانٍ، بينما انتهتْ رحلةُ الورقِ الطويلةُ بهدوءٍ.

أثرٌ
لكنَّ صناديقَ الصحفِ بقيتْ وحدَها على الأبوابِ… كأنَّها تذكّرُ المارةَ بأنَّ الخبرَ، قبلَ أن يموتَ في الزحامِ الرقميِّ، كان يعيشُ كلَّ صباحٍ بين يدٍ وصندوقٍ.





