إدمان الرقم.. هل تمشي لتعيش أم لتغلق الدائرة؟

فاطمة عبدالمنعم
لقد أصبحت الحياة المعاصرة تبتعد شيئاً فشيئاً عن إنسانيتها، لتتحول الحياة اليومية إلى خوارزمية من أرقام وأهداف وإنجازات. قد نتوهم أننا ننجز لنشعر بالسيطرة على مجريات حياتنا الشخصية، لكنها سيطرةٌ “مُشتراة” بثمنٍ باهظ؛ ثمنها هو العفوية، والتأمل، وفقدان الفعل البشري شيئاً فشيئاً.
لقد جُزئت الحياة إلى جزيئات صغيرة، ظناً منا أننا من خلال هذا التفتيت نضمن جودتها. فالمشي -على سبيل المثال- وهو فعلٌ وجودي فطري، تم تقسيمه وتجزئته: من مشيٍ كرياضة ولياقة بدنية، ومشيٍ تأملي، ومشيٍ في الطبيعة (هايكنج)، ومشيٍ لتفريغ التوتر. تحول المشي من فعل وجودي إلى فعل استهلاكي، مُغلف بشعور الإنجاز والتميز، أو بملاحقة أوسمة “العشرة آلاف خطوة” بحثاً عن الاعتراف بالإنجاز.
وهنا نتساءل: هل نحتاج حقاً لهذا الاعتراف مع كل خطوة محسوبة؟
قفص الرقم والاستغلال الذاتي
هنا يتجلى طرح “بيونج تشول هان حيث يرى أن الإنسان المعاصر صار “المستغِل والمستغَل” في آن واحد. نحن لا نحتاج لسجان يراقب حياتنا وخطواتنا؛ لأننا حولنا ساعاتنا وهواتفنا الذكية إلى “سجان رقمي” نستخدمه طواعية. إن إغلاق الدائرة اليومي ليس انتصاراً، بل هو انصياع تام لمنطق الإنتاجية الذي استعمر حتى أقدامنا، ونبضات قلبنا، وعمق نومنا.
النظام الأقصى يؤدي إلى الهشاشة القصوى
من منظور النظرية الوظيفية لـ “نيكلاس لومان”، تتحول الأنظمة الاجتماعية إلى آلات تعمل فقط من أجل “استمرارية الوظيفة” ومعالجة البيانات. عندما يُختصر المشي في كونه “وظيفة” لتحقيق رقم ما، فإننا نصل إلى حالة من “الهشاشة القصوى”.
فالنظام الذي يعتمد كلياً على الأرقام ينهار بمجرد غيابها؛ إذا نسينا الساعة، نشعر أن مشيتنا “بلا قيمة”، وهذا هو قمة الاغتراب؛ أن ترتبط قيمة وجودك بجهاز لا بنفسك. إن النظام الوظيفي الصارم الذي يقدس الأرقام يقتل “المرونة الإنسانية” ويجعلها هشة أمام أي لحظة عفوية لا يمكن قياسها، نسينا بذلك كفاءة أجسادنا؛ ذلك المقياس الحي والخاص بنا، لنعيش في اغترابٍ مركب: انفصالٌ عن الجسد، وعدم ثقةٍ في حواسه، مقابل وثوقٍ أعمى بمؤشراتٍ جامدة. لقد استبدلنا لغة النبض والجهد المحسوس بلغة الأرقام، فصرنا غرباء عن كياننا؛ لا نعرف عافيتنا إلا من شاشة، ولا نثق في خطواتنا إلا إذا باركتها الخوارزمية.
هذا الانفصال هو قمة “الهشاشة”؛ لأنك لم تعد تملك مقياسك الخاص، لقد وهبتَ “سيادتك الجسدية” لخوارزمية جامدة.
سجن الاختيار والعزلة
لقد باتت خطواتنا محسوبة وحذرة، نعيش الحياة داخل سجننا الاختياري. نسينا المشي في الحارات والشوارع والمزارع، وحصرنا حركتنا في “الممشى” الذي يسهل فيه القياس. لقد استبدلنا “العالم” بـ “المضمار”، واستبدلنا “الآخرين” بـ “السماعات” التي تعزلنا عن صوت الحياة.
متى كانت آخر مرة مشيت فيها.. فقط لأنك تمشي؟
متى كانت آخر مرة تأملت فيها الحياة؟
متى كانت آخر مرة تأملت فيها صوت الحياة؛ من حفيف الشجر، وزقزقة العصافير، وضحكات الأطفال.. دون وسيط رقمي؟



